57 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} باللهِ ورسوله محمَّد - صلى الله عليه وسلم - {لَا تَتَّخِذُوا} ؛ أي: لا تجعلوا {الَّذِينَ اتَّخَذُوا} وجعلوا {دِينَكُمْ} دين الإِسلام الذي هو أفضل الأديان وناسخها {هُزُوًا} ؛ أي: سخرية {وَلَعِبًا} أي ضحكًا، وقوله: {مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} بيان للموصول السابق؛ أي: من اليهود والنصارى الذين أعطوا الكتاب {مِنْ قَبْلِكُمْ} أيها المؤمنون {وَالْكُفَّار} بالنصب عطف على الذين اتخذوا، أو بالجر عطف على الذين أوتوا الكتاب، والمراد بهم المشركون عبدة الأوثان، وإنَّما فصل بين أهل الكتاب والكفار - وإنْ كان أهل الكتاب من الكفار؛ لأن كفر المشركين من عبدة الأوثان أغلظ وأفحش من كفر أهل الكتاب - لأن أهل الكتاب لهم أساس، وإن حرفوا وبدلوا {أَوْلِيَاءَ} ؛ أي: أصدقاء وأنصارًا لكم؛ لأن اللائق باتخاذهم دينكم هزوًا ولعبًا أن يقابل بالبغضاء والمنابذة والمجانبة، فاتخاذكم مع ذلك أولياء وأنصارًا كالأمر الخارج عن المعقول، والمرءوة إن كنتم تعقلون، وهذا النهي عن موالاة المتخذين للدين هزوًا ولعبًا يعم كل من حصل منه ذلك من المشركين، وأهل الكتاب وأهل البدع المنتمين إلى الإِسلام والبيان بقوله: {مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} إلى آخره، لا ينافي دخول غيرهم تحت النهي إذا وجدت فيه العلة المذكورة، التي هي الباعثة على النهي.
والمعنى: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى الذين جاءتهم الرسل والأنبياء، وأنزلت عليهم الكتب من قبل بعث رسولنا محمَّد - صلى الله عليه وسلم - ، ومن قبل نزول كتابنا أولياء وأنصارًا وحلفاء، فإنَّهم لا يألونكم خبالًا، وإن أظهروا لكم مودة وصداقة، ذلك لأنَّهم اتخذوا هذا الدين هزوًا ولعبًا، فكان أحدهم يظهر الإيمان للمؤمنين وهو على كفره مقيم، وبعد اليسير من الزمن يظهر الكفر بلسانه بعد أن كان يبدي الإيمان قولًا، وهو مستبطن للكفر تلاعبًا بالدين واستهزاء به، كما قال تعالى عنهم: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} .