وَنُكْتَةُ قَوْلِهِ: (وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ) هِيَ تَأْكِيدُ كَوْنِ حَالِهِمْ فِي وَقْتِ الْخُرُوجِ كَحَالِهِمْ فِي وَقْتِ الدُّخُولِ ، وَإِنَّمَا احْتَاجَ هَذَا لِلتَّأْكِيدِ لِمَجِيئِهِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ ; لِأَنَّ مَنْ كَانَ يُجَالِسُ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ يَسْمَعُ مِنَ الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ وَيَرَى مِنَ الْفَضَائِلِ مَا يَكْبُرُ فِي صَدْرِهِ ، وَيُؤَثِّرُ فِي قَلْبِهِ ، حَتَّى إِذَا كَانَ سَيِّئَ الظَّنِّ رَجَعَ عَنْ سُوءِ ظَنِّهِ ، وَأَمَّا سَيِّئُ الْقَصْدِ فَلَا عِلَاجَ لَهُ ، وَقَدْ كَانَ يَجِيئُهُ الرَّجُلُ يُرِيدُ قَتْلَهُ ، فَإِذَا رَآهُ وَسَمِعَ كَلَامَهُ آمَنَ بِهِ وَأَحَبَّهُ ، وَهَذَا هُوَ الْمَعْقُولُ الَّذِي أَيَّدَتْهُ التَّجْرِبَةُ ، وَإِنَّمَا شَذَّ هَؤُلَاءِ وَأَمْثَالُهُمْ ; لِأَنَّ سُوءَ نِيَّتِهِمْ وَفَسَادَ طَوِيَّتِهِمْ قَدْ صَرَفَا قُلُوبَهُمْ عَنِ التَّذَكُّرِ وَالِاعْتِبَارِ ، وَوَجَّهَا كُلَّ قُوَاهُمْ إِلَى الْكَيْدِ وَالْخِدَاعِ وَالتَّجَسُّسِ وَمَا يُرَادُ بِهِ ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ مِنَ الِاسْتِعْدَادِ مَا يَعْقِلُونَ بِهِ تِلْكَ الْآيَاتِ ، وَيَفْهَمُونَ مَغْزَى الْحِكَمِ وَالْآدَابِ .
(مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) (33: 4) .