ولو أن المسيحية بقيت كما بدأت ـ لا ريب فيها ولا دخيل عليها ـ لما أمكنها أن تقوم بالوظيفة التى ندبت نفسها لها ـ وظيفة توجيه العالم أجمع وإرشاده ـ وذلك لأنها ديانة محلية موقوتة بزمان ومكان. وعيسى ـ عليه السلام ـ ليس إلا واحدا من أنبياء بنى إسرائيل. والإنجيل ليس كتابا مستقلا بالتشريع، ولكنه أدنى إلى أن يكون ملحقا بالتوراة، تابعا لها. ومعنى أن النصرانية دين موضعى، أنها لم تأت من عند الله ـ وبها الخصائص التى تكفل نجاحها عالميا كدعوة عامة. وإذا مدت شبكة كهربائية في قرية من القرى وزودت بالآلات المحدودة لهذا الغرض، فمن العبث أن ننتظر من هذه الشبكة إضاءة عاصمة كبرى، فضلا عن إضاءة أقطار وأمصار.!! وقد جاءت النصرانية ـ أول عهدها ـ تلطيفا لقساوة المجتمع اليهودى، ورحمة بالجماهير الشقية فيه. ولم تزود بذخر روحى، لأكثر من هذا الغرض القريب. وقد كلفت نفسها العنت، لما حاولت أبعد من غايتها. فلما أصرَّت على القيام بدور ليس لها، وصادمت الزحف المادى، كانت كالذى يدفع براحتيه سيل العرم، فانتهى الأمر بها إلى الفشل، بل إلى الغرق.! ولو حكينا أدوار الصراع بين المسيحية واتجاهات البشرية الخاطئة أو الصائبة، لوجدنا أن تصرف المسيحية أضر بالأديان، أكثر مما أضر بهذه الاتجاهات.