وأما الأول فِي الأول والثاني فِي الثاني فليس بجزاءٍ حقيقة ، وإنما سُمّي به مشاكلة ، أو تسميةٌ للشيء باسم مسبَّبِهِ كما سُميت إرادةُ القيام والقراءة باسمهما فِي قوله عز اسمه: {يا أيها الَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا}
وقوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ القرءان فاستعذ بِاللَّهِ}
ولعله هو السرُّ فِي بناء المفاعلة من الأفعال التي تقوم أسبابُها بمفعولاتها ، نحو عاقبتُ اللصَّ ونظائرِه ، فإن قيام السرقة التي هي سببٌ للعقوبة باللص نُزّل منزلةَ قيام المسبَّبِ به ، وهي العقوبة ، فصار كأنها قامت بالجانبين ، وصدَرَت عنهما ، فَبُنيت صيغةُ المفاعلةِ الدالَّةِ على المشاركة بين اثنين. وإضافةُ اليوم إليه لأدنى ملابسةٍ كإضافة سائرِ الظروفِ الزمانية إلى ما وقع فيها من الحوادث ، كيوم الأحزابِ وعامِ الفتح ، وتخصيصُه من بين سائرِ ما يقع فيه من القيامة والجمعِ والحسابِ لكونه أدخلَ فِي الترغيب والترهيب ، فإن ما ذكر من القيامة وغيرِها من مبادىءِ الجزاءِ ومقدِّماته ، وإضافةُ (مالك) إلى اليوم (من) إضافة اسم الفاعل إلى الظرف ، على نهج الاتساعِ المبنيّ على إجرائه مجرى المفعولِ به ، مع بقاء المعنى على حاله ، كقولهم: يا سارقَ الليلةِ أهلَ الدار.
أي: مالِكَ أمورِ العالمين كلِّها فِي يومِ الدين. وخُلوُّ إضافتِه عن إفادة التعريفِ المسوّغ لوقوعه صفةً للمعرفة إنما هو إذا أُريد به الحالُ ، أو الاستقبالُ ، وأما عند إرادة الاستمرارِ الثبوتيّ كما هو اللائقُ بالمقام فلا ريب فِي كونها إضافةً حقيقية كإضافة الصفة المشبهة إلى غير معمولها فِي قراءة (ملك يوم الدين) .