وأما علماؤنا مالك وأصحابه فقالوا: إن كانت العين قائمة ردّها ، وإن تَلِفت فإن كان موسراً غَرِم ، وإن كان معسراً لم يُتْبع به دَيْناً ولم يكن عليه شيء ؛ وروى مالك مثل ذلك عن الزُّهري ؛ قال الشيخ أبو إسحاق: وقد قيل إنه يُتْبع بها دَيْناً مع القطع موسراً كان أو معسراً ؛ قال: وهو قول غير واحد من علمائنا من أهل المدينة ، واستدل على صحته بأنهما حقان لمستحقين فلا يُسْقِط أحدهما الآخر كالدّية والكفّارة ، ثم قال: وبهذا أقول.
واستدل القاضي أبو الحسن للمشهور بقوله صلى الله عليه وسلم:"إذا أُقيم على السارق الحدّ فلا ضمان عليه"وأسنده في كتابه.
وقال بعضهم: إن الإتباع بالغُرم عقوبة ، والقطع عقوبة ، ولا تجتمع عقوبتان ؛ وعليه عوّل القاضي عبدالوهاب.
والصحيح قول الشافعي ومن وافقه ؛ قال الشافعي: يَغرَم السارق ما سَرق موسراً كان أو معسراً ؛ قُطِع أو لم يُقطَع ، وكذلك إذا قَطَع الطريق ؛ قال: ولا يُسقِط الحدُّ لله ما أتلِف للعباد ، وأما ما اصبَحّ به علماؤنا من الحديث إذا كان معسراً فيه احتج الكوفيون وهو قول الطَّبري ، ولا حجة فيه ؛ رواه النسائي والدَّارَاقُطْنيّ عن عبد الرحمن بن عوف.
قال أبو عمر: هذا حديث ليس بالقوي ولا تقوم به حجة ؛ وقال ابن العربي: وهذا حديث باطل ، وقال الطبري: القياس أن عليه غَرْمُ ما استهلك ولكن تركنا ذلك اتباعا للأَثَر في ذلك.
قال أبو عمر: ترك القياس لضعيف الأَثر غير جائز ؛ لأن الضعيف لا يوجب حُكْماً.
التاسعة واختلف في قطع يد من سَرق المال من الذي سرقه ؛ فقال علماؤنا: يُقطع.
وقال الشافعي: لا يقطع ؛ لأنه سَرق من غير مالك ومن غير حِرْز.
وقال علماؤنا: حرمة المالك عليه باقية لم تنقطع عنه ، ويد السارق كَلاَيد ، كالغاصِب لو سُرِق منه المال المغصوب قُطِع ؛ فإن قيل: اجعلوا حِرزه كَلاَ حِرْز ؛ قلنا: الحِرْز قائم والملك قائم ولم يبطل الملك فيه فيقولوا لنا أبطلوا الحرز.