والمجتمع المسلم يقيم حياته كلها على منهج الله وشريعته ؛ وينظم شؤونه وارتباطاته وعلاقاته على أسس ذلك المنهج وعلى أحكام هذه الشريعة.. ومن ثم يكفل لكل فرد - كما يكفل للجماعة - كل عناصر العدالة والكفاية والاستقرار والطمأنينة ، ويكف عنه كل عوامل الاستفزاز والإثارة ، وكل عوامل الكبت والقمع ، وكل عوامل الظلم والاعتداء ، وكل عوامل الحاجة والضرورة. وكذلك يصبح الاعتداء - في مثل هذا المجتمع الفاضل العادل المتوازن المتكافل - على النفس والحياة ، أو على النظام العام ، أو على الملكية الفردية ؛ جريمة بشعة منكرة ، مجردة عن البواعث المبررة - أو المخففة - بصفة عامة.. وهذا يفسر التشدد ضد الجريمة والمجرمين بعد تهيئة الظروف المساعدة على الاستقامة عند الأسوياء من الناس ؛ وتنحية البواعث على الجريمة من حياة الفرد وحياة الجماعة.. وإلى جانب هذا كله ، ومع هذا كله ؛ يكفل النظام الإسلامي للمجرم المعتدي كل الضمانات لسلامة التحقيق والحكم ؛ ويدرأ عنه الحدود بالشبهات ؛ ويفتح له كذلك باب التوبة التي تسقط الجريمة في حساب الدنيا في بعض الحالات ، وتسقطها في حساب الآخرة في كل الحالات... وسنرى نماذج من هذا كله في هذا الدرس ، وفيما تضمنه من أحكام..
ولكن قبل أن نأخذ في المضي مع السياق وفي الحديث المباشر عن هذه الأحكام التي تضمنها لا بد أن نقول كلمة عامة ؛ عن البيئة التي تنفذ فيها هذه الأحكام ؛ والشروط التي تجعل لها قوة النفاذ.
إن هذه الأحكام الواردة في هذا الدرس - سواء فيما يتعلق بالاعتداء على النفس أو الاعتداء على النظام العام ؛ أو الاعتداء على المال - شأنها شأن سائر الأحكام الواردة في الشريعة ، في جرائم الحدود ؛ والقصاص ؛ والتعازيز.. كلها إنما تكون لها قوة التنفيذ في"المجتمع المسلم"في"دار الإسلام".. ولا بد من بيان ما تعنيه الشريعة بدار الإسلام: