التفسير السابع: اشتقاقه من أله الفصيل إذا ولع بأمه ، والمعنى أن العباد مولهون مولعون بالتضع إليه فِي كل الأحوال ، ويدل عليه أمور: الأول: أن الإنسان إذا وقع فِي بلاء عظيم وآفة قوية فهنالك ينسى كل شيء إلا الله تعالى ، فيقول بقلبه ولسانه: يا رب ، يا رب ، فإذا تخلص عن ذلك البلاء وعاد إلى منازل الآلاء والنعماء أخذ يضيف ذلك الخلاص إلى الأسباب الضعيفة والأحوال الخسيسة ، وهذا فعل متناقض ، لأنه إن كان المخلص عن الآفات والموصل إلى الخيرات غير الله وجب الرجوع فِي وقت نزول البلاء إلى غير الله ، وإن كان مصلح المهمات هو الله تعالى فِي وقت البلاء وجب أن يكون الحال كذلك فِي سائر الأوقات ، وأما الفزع إليه عند الضرورات والإعراض عنه عند الراحات فلا يليق بأرباب الهدايات ، والثاني: أن الخير والراحة مطلوب من الله ، والثالث: أن المحسن فِي الظاهر إما الله أو غيره ، فإن كان غيره فذلك الغير لا يحسن إلا إذا خلق الله فِي قلبه داعية الإحسان ، فالحق سبحانه وتعالى هو المحسن فِي الحقيقة ، والمحسن مرجوع إليه فِي كل الأوقات ، والخلق مشغوفون بالرجوع إليه.
شكا بعض المريدين من كثرة الوسواس ، فقال الأستاذ: كنت حداداً عشر سنين ، وقصاراً عشرة أخرى ، وبوابًا عشرة ثالثة ، فقالوا: ما رأيناك فعلت ذلك ، قال: فعلت ولكنكم ما رأيتم ، أما عرفتم أن القلب كالحديد ؟ فكنت كالحداد ألينه بنار الخوف عشر سنين ، ثم بعد ذلك شرعت فِي غسله عن الأوضار والأقذار عشر سنين ، ثم بعد هذه الأحوال جلست على باب حجرة القلب عشرة أخرى سالا سيف"لا إله إلا الله"فلم أزل حتى يخرج منه حب غير الله ، ولم أزل حتى يدخل فيه حب الله تعالى ، فلما خلت عرصة القلب عن غير الله تعالى وقويت فيه محبة الله سقطت من بحار عالم الجلال قطرة من النور فغرق القلب فِي تلك القطرة ، وفني عن الكل ، ولم يبق فيه إلا محض سر"لا إله إلا الله".