التفسير الثاني: الإله مشتق من ألهت إلى فلان ، أي: سكنت إليه ، فالعقول لا تسكن إلا إلى ذكره والأرواح لا تعرج إلا بمعرفته ، وبيانه من وجوه: الأول: أن الكمال محبوب لذاته ، وما سوى الحق فهو ناقص لذاته ؛ لأن الممكن من حيث هو هو معدوم ، والعدم أصل النقصان والناقص بذاته لا يكمل إلا بتكميل الكامل بذاته ، فإذا كان الكامل محبوباً لذاته وثبت أن الحق كامل لذاته وجب كونه محبوباً لذاته.
الثاني: أن كل ما سواه فهو ممكن لذاته ، والممكن لذاته لا يقف عند نفسه ، بل يبقى متعلقاً بغيره ، لأنه لا يوجد إلا بوجود غيره ، فعلى هذا كل ممكن فإنه لا يقف عند نفسه بل ما لم يتعلق بالواجب لذاته لم يوجد ، وإذا كان الأمر كذلك فِي الوجود الخارجي وجب أن يكون كذلك فِي الوجود العقلي ، فالعقول مترقبة إلى عتبة رحمته والخواطر متمسكة بذيل فضله وكرمه ، وهذان الوجهان عليهما التعويل فِي تفسير قوله تعالى:
{أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب}
[الرعد: 28] .
التفسير الثالث: أنه مشتق من الوله ، وهو ذهاب العقل.
واعلم أن الخلق قسمان: واصلون إلى ساحل بحر معرفته ، ومحرومون ، فالمحرومون قد بقوا فِي ظلمات الحيرة وتيه الجهالة فكأنهم فقدوا عقولهم وأرواحهم ، وأما الواجدون فقد وصلوا إلى عرصة النور وفسحة الكبرياء والجلال ، فتاهوا فِي ميادين الصمدية ، وبادوا فِي عرصة الفردانية ، فثبت أن الخلق كلهم والهون فِي معرفته ، فلا جرم كان الإله الحق للخلق هو هو ، وبعبارة أخرى وهي أن الأرواح البشرية تسابقت فِي ميادين التوحيد والتمجيد فبعضها تخلفت وبعضها سبقت فالتي تخلفت بقيت فِي ظلمات الغبار والتي سبقت وصلت إلى عالم الأنوار ، فالأولون بادوا فِي أودية الظلمات ، والآخرون طاشوا فِي أنوار عالم الكرامات.