يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ فقد تقصى أهل الحق، وستجدها مشروحة في كتابنا هذا في مظانها إن شاء الله تعالى.
والمعنى: أنهم لو تدبروه حق تدبره .. لوجدوه مؤتلفًا غير مختلف، صحيح المعاني قوي المباني، بالغًا في البلاغة إلى أعلى درجاتها.
والخلاصة: أن تدبر القرآن، وتأمل ما امتاز به، هو طريق الهداية القويم، وصراط الحق المستقيم، فإنه يرشد إلى كونه من عند الله، وإلى وجوب الاهتداء به، وإلى أنه معقول في نفسه موافق للفطرة، ملائم للمصلحة وفيه سعادة الخلق في الدنيا والآخرة.
ولو تدبر المسلمون القرآن واهتدوا به في كل زمان .. لما فسدت أخلاقهم وآدابهم، ولما ظلم واستبد حكامهم، ولما زال ملكهم وسلطانهم، ولما صاروا عالة في معايشهم على سواهم،
فَإِنْ قُلْتَ: إن قوله: {اخْتِلَافًا كَثِيرًا} يدل بمفهومه على أن في القرآن اختلافًا قليلًا، وإلا لما كان للتقييد بوصف الكثرة فائدة مع أن لا اختلاف فيه أصلًا؟
قلت: بأن التقييد بالكثرة للمبالغة في إثبات الملازمة؛ أي: لو كان من عند غير الله تعالى لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا فضلًا عن القليل، لكنه من عند الله تعالى فليس فيه اختلاف لا كثير ولا قليل.
واعلم: أنه يدل على كون القرآن من عند الله سبحانه وتعالى لا من عند غيره أمور كثيرة:
الأول: أن أي مخلوق لا يستطيع تصوير الحقائق كما صورها القرآن بلا اختلاف ولا تفاوت في شيء منها.
الثاني: أنه حكى عن الماضي الذي لم يشاهده محمد - صلى الله عليه وسلم - ولم يقف على تاريخه، وعن الآتي، فوقع كما أنبأ به، وعن الحاضر فأخبر عن خبايا الأنفس ومكنونات الضمائر، كما أخبر عما بيتته هذه الطائفة مخالفًا لما تقول للرسول - صلى الله عليه وسلم - ، أو ما يقوله لها، فتقبله في حضرته، وترفضه في غيبته.