وإنما قرن استغفار الرسول باستغفارهم؛ لأن ذنبهم لم يكن ظلمًا لأنفسهم فحسب، بل تعدى إلى إيذاء الرسول من حيث أنهم أعرضوا عن حكمه، وهو صاحب الحق في الحكم وحده، فكان لا بد في توبتهم وندمهم على ما فرط منهم أن يظهروا ذلك للرسول ليصفح عنهم؛ لأنهم اعتدوا على حقه، وليدعو لهم بالمغفرة إذ أعرضوا عن حكمه، وإنما التفت عن الخطاب إلى الغيبة في قوله: {وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ} ولم يقل: واستغفر لهم؛ لأن القياس يقتضي هذا، لقوله أولًا جاؤوك تفخيمًا لشأنه، وتنبيهًا على أن من حق الرسول أن يقبل اعتذار التائب، وإن عظم جرمه، ويشفع له، ومن منصبه أن يشفع في كبائر الذنوب، وأنهم إذا جاؤوه .. فقد جاؤوا من خصه الله تعالى برسالته، وأكرمه بوحيه، وجعله سفيرًا بينه وبين خلقه.
وفي الآية: إيماء إلى أن التوبة الصحيحة تقبل حتمًا إذا استكملت شرائطها، ومنها: أن تكون عقب الذنب مباشرة، وقد سمى الله ترك طاعة الرسول ظلمًا للأنفس؛ أي: إفسادًا لها لأن الرسول هو الهادي إلى مصالح الناس في الدنيا والآخرة، وهذا الظلم شامل للاعتداء والبغي والتحاكم إلى الطاغوت وغير ذلك.
والاستغفار لا يكون مقبولًا إلا إذا ناجي العبد ربه عازمًا على اجتناب الذنب، وعدم العودة إليه، مع الصدق والإخلاص لله في ذلك. أما الاستغفار باللسان عقب الذنب دون أن يوجد هذا التوجه بالقلب فلا يكون استغفارًا معتدًا به عند الله إذ لا بد أن يشعر القلب أولًا بألم المعصية، وسوء مغبتها - عاقبتها - وبالحاجة إلى التزكي من دنسها، مع العزم القوي على اجتناب هذا الدنس، ومتى أخلص الداعي .. أجاب الله دعاءه بإعطائه ما طلب، أو بغيره من الأجر والثواب.