وأما قوله: (ثُمَّ جَاءُوكَ) فمعطوف على قوله: (أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ) ،
وتقديره: كيف حالهم إذا أصابتهم مصيبة بما قدّمت أيديهم
بارتكابهم وبمجيئهم من بعد إليك حالفين كذبًا: إننا ما أردنا إلا
إحسانًا وتوفيقًا ، وأما المراد بالصيبة المذكورة فما ينالهم في الآخرة
من العذاب والحسرة والندامة ، فيقول: إن تألَّموا من هذه فكيف
تألمُهم إذا أصابتهم مصيبة في الآخرة ، وقد تقدَّم أن الإِحسان
هو الفضل الموفي على العدالة ، والتوفيق: موافقة أمر الله
والرضا بقضائه ، وهما غاية ما يراد من الإِنسان ، فنبه أنهم
يدّعودن هاتين الحالتين كذبًا.
قوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا(63)
القول البليغ: إذا ، اعتُبر بنفسه ، فهو ما يجمع أوصافا ثلاثة:
أن يكون صوابًا في موضع لغته ، وطبقًا للمعنى المقصود به.
لا زائدًا عليه ولا ناقصًا عنه ، وصدقًا في نفسه.
وإذا اعتبر بالمقول له والقائل فهو الذي يقصد به قائله الحق.
ويجد من المقول له قبولاً ، ويكون وروده في
الموضع الذي يجدر أن يورد فيه ، فكل قول اجتمع فيه هذه
الأوصاف فهو البليغ من كل وجه ، وقول العرب: أحمقُ بُلْغٌ
وبَلْغٌ ، إذا بلغ مع حماقته حاجته ، وقد يقال ذلك للمتناهى في
حماقته ، وقول من قال: القول البليغ هو أن يقال لهم:
إن ، أظهرتم ما في أنفسكم قتلناكم.
وقول من قال: خوِّفهم بمكاره تنزل بهم في الدنيا والآخرة.
فإشارة إلى بعض مقتضنى الآية ، ونبه بقوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ)
على أمرين: أحدهما: نهي الناس أن يُخفوا في أنفسهم غير الحق.
والثاني: أن يقتصر من كل واحد في أحكام الدنيا على ما يظهره.
وترك الفحص عما يضمره ، وفي قوله تعالى: