قد تقدّم أن الزعم مطية الكذب. والطاغوت مبنيّ من
طغى ، كالجالوت من جال ، وقيل: كل ما عُبد من دون الله
فهو طاغوت ، وقيل: هو اسم لكل ما شغل عن الله من نحو
الهوى ونحوه ، وعليه نبه بقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"الهوى إله معبود"، ثم تلا: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ) .
ورُوِيَ أن. ذلك نزل في رجل من المنافقين دعاه يهودي في خصومة إلى حكم
النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال المنافق: بل نتحاكم إلى الكاهن ، وقيل: بل قال إلى الصنم ، وهو أنهم كانوا يحضرونه ويضربون بالقداح ، فمن خرج قدحه حكم له ، ونبّه بقوله: (وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا)
بعد قوله: (يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ)
أن إرادتهم بهذا الفعل مقرونة بإرادة الشيطان أن يضلهم ضلالاً
بعيدًا ، وأن بفعلهم ذلك يجد الشنيطان إلى ضلالهم سبيلًا ، وهذا
تنبيه أنه لولا اتباعهم الشهوات وإخلالهم بالعبادات لما وجد
الشيطان إليهم سبيلًا ، كما قال: (وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ)
الآية. والضلال البعيد هو الذي يصعب الرجوع عنه.
وهو المشار إليه بقوله تعالى: (أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ) .
قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا(61)
الصد: كالسد: إلا أن السد بحائل محسوس.
والصد بحائل في النفس من إرادة أو كراهة ، ونحو ذلك من الحوايل.
والآية من تمام القصة الأولى ، ومن الأشياء التي