يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ [المائدة: 49] اعْتَذَرُوا بِأَنَّهُمْ إنَّمَا قَصَدُوا الْإِحْسَانَ وَالتَّوْفِيقَ، أَيْ بِفِعْلِ مَا يُرْضِي الْفَرِيقَيْنِ وَيُوَفِّقُ بَيْنَهُمَا كَمَا يَفْعَلُهُ مَنْ يَرُومُ التَّوْفِيقَ بَيْنَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَبَيْنَ مَا خَالَفَهُ، وَيَزْعُمُ أَنَّهُ بِذَلِكَ مُحْسِنٌ قَاصِدٌ الْإِصْلَاحَ وَالتَّوْفِيقَ، وَالْإِيمَانُ إنَّمَا يَقْتَضِي إلْقَاءَ الْحَرْبِ بَيْنَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَبَيْنَ كُلِّ مَا خَالَفَهُ مِنْ طَرِيقَةٍ وَحَقِيقَةٍ وَعَقِيدَةٍ وَسِيَاسَةٍ وَرَأْيٍ؛ فَرَخَّصَ الْإِيمَانُ فِي هَذَا الْحَرْبِ لَا فِي التَّوْفِيقِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
ثُمَّ أَقْسَمَ سُبْحَانَهُ بِنَفْسِهِ عَلَى نَفْيِ الْإِيمَانِ عَنْ الْعِبَادِ حَتَّى يُحَكِّمُوا رَسُولَهُ فِي كُلِّ مَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ مِنْ الدَّقِيقِ وَالْجَلِيلِ، وَلَمْ يَكْتَفِ فِي إيمَانِهِمْ بِهَذَا التَّحْكِيمِ بِمُجَرَّدِهِ حَتَّى يَنْتَفِيَ عَنْ صُدُورِهِمْ الْحَرَجُ وَالضِّيقُ عَنْ قَضَائِهِ وَحُكْمِهِ، وَلَمْ يَكْتَفِ مِنْهُمْ أَيْضًا بِذَلِكَ حَتَّى يُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا، وَيَنْقَادُوا انْقِيَادًا.
وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36] فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ لَيْسَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَخْتَارَ بَعْدَ قَضَائِهِ وَقَضَاءِ رَسُولِهِ، وَمَنْ تَخَيَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا.
فَصْلٌ [فُقَهَاءُ الْإِسْلَامِ وَمَنْزِلَتُهُمْ]