ثم عجّب النبي - صلى الله عليه وسلم - من تزكيتهم لأنفسهم فقال
(انظر كيف يفترون على الله الكذب) في قولهم ذلك، والافتراء الاختلاق ومنه افترى فلان على فلان أي رماه بما ليس فيه، وفريت الشيء قطعته، والافتراء والكذب متقاربان معنى أو معناهما واحد.
وفي قوله (وكفى به إثماً مبيناً) من تعظيم الذنب وتهويله ما لا يخفى أي كفى بالافتراء وحده وبالأولى إذا انضم إلى التزكية، والتنكير في إثماً للتشديد.
(ألم تر) تعجيب من حالهم بعد التعجيب الأول (إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب) هم اليهود (يؤمنون بالجبت والطاغوت) اختلف المفسرون في معنى الجبت والطاغوت فقال ابن عباس وابن جبير وأبو العالية الجبت الساحر بلسان الحبشة والطاغوت الكاهن، وروي عن عمر بن الخطاب أن الجبت السحر والطاغوت الشيطان.
وروي عن ابن مسعود أن الجبت والطاغوت هنا كعب بن الأشرف، وقال قتادة الجبت الشيطان والطاغوت الكاهن، وروي عن مالك أن الطاغوت ما عبد من دون الله، والجبت الشيطان، وقيل هما كل معبود من دون الله أو مطاع في معصية الله، وقيل هما صنمان كانا لقريش وهما اللذان سجد اليهود لهما لمرضاة قريش.
وأصل الجبت الجبس وهو الذي لا خير فيه فأبدلت التاء من السين قاله قطرب، وقيل إبليس والطاغوت أولياؤه، وعن قطن ابن قبيصة عن أبيه قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: العيافة والطيرة والطرق من الجبت أخرجه أبو داود ، وقال الطرق الزجر والعيافة الخط.
وقيل العيافه هي زجر الطير، والطرق هو ضرب الحجارة والحمى على طريق الكهانة، والطيرة هو أن يتطير بالشيء فيرى الشؤم فيه والشر منه، وقيل هو من التطيّر وهو زجر الطير، والخط هو ضرب الرمل لاستخراج الضمير.
(ويقولون) أي اليهود (للذين كفروا) كأبي سفيان وأصحابه، واللام للتبليغ أو للعلة كنظائرها (هؤلاء) أي أنتم (أهدى من الذين آمنوا) بمحمد (سبيلاً) أي أقوم دينا وأرشد طريقاً.