والله أعلم معهود"ما"هاهنا الاستجارة بالحرِّ من البرد وبالبرد من الحر،
وبالاحتماء من الأذية والرياح بالجبال والبيوت، وبظلال ما خلقه الله - جلَّ جلالُه - لها دفاعًا
للأذية من النفَسَين، وما يتبعهما، وما يكون عنهما وقاية وطلبًا للدفاع والكفاية،
ونحو ذلك.
وأما في الجنة التي هي دار الحيوان ومحل النعيم المقيم، فإنما هو الإكرام
والتنعيم ليس فيما هنالك موجود يتوقى، ولا يدافع بما يقابله ويضاده، كما ليس في
جهنم - أعاذنا الرحيم برحمته منها - موجود توقى به عظيم ما سلط عليهم، ولا
شيء يدافع به ما هم بصدده، وقد يتفهم حال أهل الجنة فيما نحن بسبيل تبيانه بأن
تتفهم تعذيب أهل جهنم، وما جاء في وصف أحوالهم.
قال الله - جلَّ جلالُه -: (انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ(29) انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ
شُعَبٍ (30) . أي: تفرع إلى ثلاث أحوال، الله أعلم بما يتفرع إليه
كل حالٍ، أحد الشعب: إنه ظل في لَا ظَليلٍ لا أي: لا يدفع مكروهًا ولا يوقي
محذورًا.
والثاني: (وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ(31) . أي: ليس بكنين، فيستكن به
من اللهب أو حريق أو غير ذلك.
والثالث: إن ذلك الظل من دخان النيران، فأشبه الظل بوجه ما في عدم نوره،
وأشبه موجودات جهنم في ظلمته وأخذه بالأنفاس إهانة وتعذيبًا، كما قال جلَّ
قوله: (وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ(43) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (44) .
ثم أخذ - عز وجل - في وصفها - أعني: النار - بقوله جلَّ قوله: (إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ
كَالْقَصْرِ (32) . وجاء في وصفه لها: إنها فيما ليس بكن ولا واق شيئًا
ترمي بذلك الشرر وهي صواعق، فتصيبهم دون حائل ولا دافع.
فظلال أهل الجنة إذًا على مفهوم هذا الإكرام والتنعيم يوجدهم - جلَّ جلالُه - في الظل
إكرامًا ما ينعمهم به، ويوجدهم في البروز على الظل إكرامًا ما ينعمهم به يعرفون به
ذلك من هذا، كما يعرف أهل الدنيا فرق ما بين الشمس في البروز إليها، وبين
الظلال باختلاف منافعهم في ذلك ومضارهم، وإنما هو فيها هنالك الرضوان
والرحمة ثم الاٍكرام والتنعيم.
(فصل)