حالهم تلك؛ أي: يوقدون فيها، فإذا انتهوا إلى ذلك عادوا إلى ما كانوا عليه، ثم
يذوقوا عذابا غيره هكذا أبدًا.
ولا عبرة باعتراض من اعترض بمعنى الغيرية في قوله جلَّ قوله:(بَدَّلْنَاهُمْ
جُلُودًا غَيْرَهَا)فإن الجلود مخلوقة من أجسامهم، وذلك مشاهد بالوجود، فإنا نرى
من أصاب الجسد منه خدش أو سجح موضع منه، أخلف الله - جلَّ جلالُه - من نفس الجسد
جلدًا متصلاً به، وهو غير ذلك الجلد المسلوخ، وعلى ذلك فإنه جلد لذلك العضو،
فهو الذاهب غير، وهو خالف له من نفس الجسد الذي كان الذاهب جلدًا له وهو
منسوب إليه، ولم نرَ جلدًا آخر أحرقته النار خلف جلد مكانه شبيه الأول في بشرة
ولون، وتلك آية على تبديلهم جلودًا هي أقبح مرأى وهيبة من التي كانت قبل.
وهو الله الذي لا إله إلا هو المصور، لا يعجزه صورة يصورها في الحسن
والقبح، فهذا تأويل آخر من تأويل قوله - جلَّ جلالُه -: (جُلُودًا غَيْرَهَا) (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ
حَدِيثًا (87) ، وهذا من مقدره الغائب كإيجاده عن ذات الميت ذاتًا ينقل إلها الحياة، تشتق
هذه الحقيقة من تلك الذات ليست الذات المشتقة منها، ولا هي غيرها، ولا يصح
الاعتقاد ولا القول بأنها غيرها، بل هي موجودة منها وعنها بل هي هي، فإنها الذات
التي أخذ عليها الميثاق في البدء الأول.
قال الله - عزَّ من قائل - يخاطب ذواتا هذه(وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ)أي: فيما هنالك(إِنْ
كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)؛ أي: بما أنبأناكم به من قضاء القضية وأخذ الميثاق عليكم، وتطلب
ذلك في سائر الموجودات تُصب إن شاء الله.
أعقب ذلك بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا) العزيز في
انتقامه، الحكيم الذي أحكم صورة جزائهم على صورة أعمالهم، فلم يعذب غير
المسيء ولا أثاب غير المحسن، وذلك قوله: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)
وهذا من مقدوره الغائب كإيجاده مثالاً للميت يكون ذاتًا له، ويكون
ذلك المثال هو الحي يشتق هذه الحقيقة من حق تلك الذات التي بطنت بالموت،