قال الله - جلَّ جلالُه - بعد قوله: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ(18) . وهذا
وصف لهم حال عقوبة إعراضهم بعد البيان، والمعرض بعد البيان قلما يرجع
لقول الله جل من قائل: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ...) .
ثم قال جلَّ قوله: (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ) هذا وصف منه؛
لإبقائه عليهم الصفات الظاهرة، وإلى بعد الموت.
ثم قال جل قوله: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ)
يعني: الظاهرة، وهو المسخ التام والفقد المجحف، كما طمس - جلَّ جلالُه - أنوار الوجوه
فردَّها على أدبارها.
(عبرة)
نبه الله - جلَّ ثناؤه - الذين آمنوا، وذكرهم بأهل الكتاب توقيرًا لهم وإكرامًا
لهم، يؤدبهم بغيرهم ويريهم عقوباته في سواهم، فليعتبر أهل الأبصار، وليزدجر
أولو البص لْر.
ألا تسمعه - عز وجل - يقول:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا
مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا...)نحن أهل
الكتاب، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة"
وحذو النعل بالنعل"وأنه (وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا(17) ، ومن نسى"
آيات ربه أورده المعيشة الضنك، وأعمى قلبه وأصم سمعه وأبكم لسانه عن فهم
كتابه عقوبةً لإعراضه عن تفهم كتابه، ولقد خشينا أن قد لحقنا ما يواعدهم به من
طمس الوجوه، وردها على أدبارها آيات ذلك في الوجود جمة، ودلائله كثيرة.
ألا تسمع إلى قول الله - جلَّ جلالُه - فيهم عقوبة لإعراضهم عن كتاب ربهم:(وَإِذْ تَأَذَّنَ
رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ)ثم قال - جل قوله -
معرضًا: (إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ) أي: أنذر أمتك بأسي (وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)
فبشرهم عني.