ومن رحمة الحق سبحانه بعقول الأمة المكلَّفة برسالة محمد لم يشأ أن يجعل نواميسه في الكون واضحة صريحة حتى لا تقف العقول فيها وتعجز عن فهمها ، وخاصة أن الكتاب واجه أمّة أمّيَّة ؛ ليست لها ثقافة. وهب أنه واجه العالم المعاصر ، إن هناك قضايا في الكون لا يعلمها العالم المعاصر ، فلو أن القرآن تعرض لها بصراحة لكانت سبباً من الأسباب التي تصرف الناس عن الكتاب. والقرآن جاء كتاب منهج ، والمعجزة أمر جاء لتأييد المنهج ، فلم يشأ أن يجعل من المعجزة ما يعوق عن المنهج ، لكنه ترك في الكون طموحات للعقل المخلوق لله والمادة الكونية المخلوقة لله ، وكل يوم يكتشف العقل البشري أشياء ، وهذا الاكتشاف لا يأتي من فراغ ، بل يأتي من أشياء موجودة.
إذن فلو رددت أدق أقضية العلم التي يصل إليها العقل المعاصر ، ونسبتها في الكون لرجعت إلى الأمر البديهي. فلا يوجد صاحب عقل ابتكر أو جاء بحاجة جديدة ، إنما هو أعمل عقله في موجود فاستنبط من مقدمات الموجود قضية معدومة ، ثم أصبحت القضية المعدومة مقدمة معلومة ليستنبط منها من يجيء بعد ذلك. ولذلك فالعلماء عادة قوم يغلبهم طابع التهذيب عندما يقولون: اكتشفنا الأمر الفلاني ، يعني كأنه كان موجوداً.
إن الحق سبحانه وتعالى يعطي لنا فكرة تقرب لنا الفهم ، فنحن عندما كنا نتعلم الهندسة مثلاً ؛ عرفنا أن الهندسة مكونة من نظريات ، تبدأ من نظرية"واحد"، وتنتهي إلى ما لا نهاية ، وحين جاء لنا مدرس ليبرهن لنا على نظرية"مائة"، استخدم في البرهان على ذلك النظرية التسع والتسعين ، وعندما كان يبرهن على النظرية"التسع والتسعين"استعمل ما قبلها.