إنه نظام إلهي فلا تتعجبوا من القرآن ، فإن العلم كلّما تقدم هدانا إلى شيء من آيات الله في الكون. أنتم - الآن - تخدرون النفس الواعية وتشقُّون الجسد بالمشارط كما يحلو لكم فلا يحدث له ألم ، وعرفتم أن الألم ليس للعضو ، إنما الألم للنفس الواعية ، إذن فكل الجوارح هي آلات توصِّل الألم للنفس الواعية ، وتكون مسرورة ؛ لأن النفس الواعية تعذب ، هذه يشبهونها - مثلا - بواحد عنده"حكة"في جلده ، فيهرش ، والهرش يسيل دمه فيكون مستلذاً.
إذن فقوله: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ} أي أن الجلود تبدل وتنشأ جلود أخرى من نفس مادتها توصل العذاب للنفس الواعية ، وهكذا.
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ} . ونحن نعلم أن الحق سبحانه وتعالى أنزل كتاباً هو القرآن ، وجعله معجزة ومنهجا ، وهذه هي الميزة التي امتاز بها الإسلام. فمنهج الإسلام هو عين المعجزة ، وكل رسول من الرسل كان منهجه شيئاً ومعجزته كانت شيئا آخر.
إن سيدنا موسى منهجه التوارة ومعجزته: العصا ، وسيدنا عيسى منهجه: الإنجيل ، ومعجزته: إبراء الأكمه والأبرص بإذن الله ، لكن معجزة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت القرآن ؛ لأن دينه سيكون الامتداد النهائي لآخر الدنيا ، ولذلك جعل الله منهجه هو عين معجزته ، لتكون المعجزة دليلاً على صدق المنهج في أي وقت ، ولا يستطيع واحد من أتباع أي نبي سابق على رسول الله أن يقول: إن معجزة الرسول الذي أتبعه هي منهجه ؛ لأن معجزات الرسل السابقين على رسول الله كانت عمليات كونية انتهت مثل عود كبريت احترق ، فمن رآه رآه وانتهى ، لكن المسلم يستطيع أن يقف ويعلن بملء فيه: إنَّ محمداً رسول الله وصادق ، وتلك معجزته.