(وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعِ) وإن حال هؤلاء الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، كما حرف أسلافهم كتبهم، إنهم إذا سمعوا ما أنزل على الرسول لَا يستمعون ليتبعوا الحق إن ظهرت بيناته، بل يستمعون على نية الرد، والاستمرار في العناد، وسد كل أبواب الهداية لكيلا تصل إلى قلوبهم، فإذا سمعوا الرسول يدعو إلى الحق، وإلى صراط مستقيم، جمجموا في أنفسهم أو غمزوا به فيما بينهم قائلين: (سَمِعْنَا وَعَصيْنَا) أي سمعنا قولك ووعيناه، وعصينا ما تدعونا إليه، وإن كان الحق الذي لَا مِرْيةَ فيه، ولا توجد نفس أوغلت في العناد بأكثر من ذلك وإنهم يردفون ذلك القول العاصي الذي يرددونه فيما بينهم بكلام من جنسه فيقولون: (وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمعٍ) ، وقولهم (وَاسْمَعْ) المراد به اسمع صدى دعوتك لنا وردنا عليها، وقد ذكر الزمخشري أن كلمة (غَيْرَ مسْمعٍ) تحتمل ثلاثة وجوه: أولها: أن يكون المعنى الدعاء على النبي الكريم بأن يصاب بالصمم فلا يسمع، أو لَا يسمع خيرا قط. والوجه الثاني: أن يكون المعنى غير مُسْمَع كلامُك فلا يجاب ولا يقبل. والوجه الثالث: ما ذكره بقوله رضي الله عنه:"ويجوز أن يكون غير مسمع مفعول اسمع أي اسمع كلاما غير مسمع إياك؛ لأن أذنيك لَا تعيه نبوا عنه"، وإنّا نختار ما عليه أكثر المفسرين، وهو أن يكون مرادهم لعنهم الله الدعوة عليه، عليه الصلاة والسلام بعدم السماع، وذلك هو الذي يتفق مع ما عرف عنهم من حقد وحسد للناس على ما آتاهم الله من فضل، وما أُودعت نفوسهم من بغض للناس وكره لهم، لحسبانهم أنهم المستحقون للتكريم والرفعة وحدهم بزعمهم أنهم أبناء الله وأحباؤه، زادهم الله خزيًا في الدنيا، وعذابا في الآخرة، وزاد الله محمدأ - صلى الله عليه وسلم - وشريعته رفعة وتكريما وإعزازا. وإن هؤلاء لعنهم الله يلوون ألسنتهم طعنا في الدين، ولذلك حكى الله عنهم ذلك فقال: