أحدهما: القول بلحوق الوعيد بكل فرد من الأفراد بعينه ، ودعوى أنها عمل بموجب النصوص ، وهذا أقبح من قول الخوارج المكفرين بالذنوب ، والمعتزلة وغيرهم ، وفساده معلوم بالاضطرار ، وأدلته معلومة في غير هذا الموضع ، فهذا ونحوه من نصوص الوعيد حق ، لكن الشخص المعين الذي فعله لا يشهد عليه بالوعيد ، فلا يشهد على معين من أهل القبلة بالنار ، لفوات شرط أو لحصول مانع ، وهكذا الأقوال الذي يكفر قائلها ، قد يكون القائل لها لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق ، وقد تكون بلغته ولم تثبت عنده ، أو لم يتمكن من معرفتها وفهمها ، أو قد عرضت له شبهات يعذره الله بها ، فمن كان مؤمناً بالله وبرسوله ، مظهراً للإسلام ، محباً لله ورسوله ، فإن الله يغفر له لو فارق بعض الذنوب القولية أو العملية ، سواء أطلق عليه لفظ الشرك أو لفظ المعاصي ، هذا الذي عليه أصحاب رسول الله صَلّى اللهُ عليّه وسلّم وجماهير أئمة الإسلام ، لكن المقصود أن مذاهب الأئمة مبنية على هذا التفصيل ، بالفرق بين النوع والعين ، بل لا يختلف القول عن الإمام أحمد وسائر أئمة الإسلام كمالك وأبي حنيفة والشافعي ؛ أنهم لا يكفرون المرجئة الذين يقولون: الإيمان قول وعمل ، ونصوصهم صريحة بالامتناع من تكفير الخوارج والقدرية وغيرهم ، وإنما كان الإمام أحمد يطلق القول بتكفير الجهمية لأنه ابتلي بهم حتى عرف حقيقة أمرهم ، وأنه يدور على التعطيل ، وتكفير الجهمية مشهور عن السلف والأئمة ، لكن ما كانوا يكفرون أعيانهم ، فإن الذي يدعو إلى القول أعظم من الذي يقوله ولا يدعو إليه ، والذي يعاقب مخالفه أعظم من الذي يدعو فقط ، والذي يكفر مخالفه أعظم من الذي يعاقب ، ومع هذا فالذين من ولاة الأمور يقولون بقول الجهمية: إن القرآن مخلوق ، وإن الله لا يُرى في الآخرة ، وإن ظاهر القرآن لا يحتج به في معرفة الله ، ولا الأحاديث الصحيح ، وإن الدين لا يتم إلا بما زخرفوه من الآراء والخيالات