الخامس: أنه - تعالى مع علوه وكبريائه اكتفى من العبد بالظواهر ولم يهتك السرائر فأنتم أولى أن تكتفوا بظاهر حال المرأة، وأن لا تقعوا في التفتيش عما في قلبها وضميرها من الحب والبغض».
ثم بين - سبحانه - ما يجب عمله إذا ما نشب خلاف بين الزوجين فقال - تعالى -: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها، إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً.
والمراد بالخوف هنا العلم. والخطاب لولاة الأمور وصلحاء الأمة. وقيل لأهل الزوجين.
والمراد بالشقاق ما يحصل بين الزوجين من خلاف ومعاداة. وسمى الخلاف شقاقا لأن المخالف يفعل ما يشق على صاحبه، أو لأن كل واحد من الزوجين صار في شق وجانب غير الذي فيه صاحبه.
وقوله شِقاقَ بَيْنِهِما أصله شقاقا بينهما. فأضيف الشقاق إلى الظرف إما على إجرائه مجرى المفعول فيه اتساعا. كقوله - تعالى - بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ. وأصله بل مكر في الليل والنهار.
وإما على إجرائه مجرى الفاعل بجعل البين مشاقا والليل والنهار ماكرين. كما في قولك:
نهارك صائم.
والمعنى: وإن علمتم أيها المؤمنون أن هناك خلافا بين الزوجين قد يتسبب عنه النفور الشديد، وانقطاع حبال الحياة الزوجية بينهما، ففي هذه الحالة عليكم أن تبعثوا حَكَماً
أي رجلا صالحا عاقلا أهلا للإصلاح ومنع الظالم من الظلم مِنْ أَهْلِهِ أي من أهل الزوج وأقاربه وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها أي من أقارب الزوجة بحيث يكون على صفة الأول: لأن الأقارب في الغالب أعرف ببواطن الأحوال، وأطلب للإصلاح، وتسكن إليهم النفس أكثر من غيرهم.
وعلى الحكمين في هذه الحالة أن يستكشفا حقيقة الخلاف، وان يعرفا هل الإصلاح بين الزوجين ممكن أو أن الفراق خير لهما؟.
وظاهر الأمر في قوله فَابْعَثُوا أنه للوجوب، لأنه من باب رفع المظالم ورفع المظالم من الأمور الواجبة على الحكام.