وقلنا من قبل إن الإنسان إذا كان له بنت ثم رأى شابا يمر كثيرا على البيت ويلتفت كثيرا إلى الشرفة ، ثم يقع بصر والد البنت عليه ، ماذا يكون موقفه ؟ تهيج كل جوارحه ، فإذا ما جاء الولد أو أبوه وطرق الباب وقال: يا فلان أنا أريد أن أخطب ابنتك لنفسي ، أو أريد ابنتك لابني. ماذا يكون موقف والد الفتاة ؟ إنه السرور والانشراح وتصبح الملكات راضية والنفس مطمئنة ، ويتم اعلان البهجة وهو الذي يدعو الناس ويقيم فرحا ؛ لأن الذي خلق الزوجين الذكر والأنثى حينما شرع الالتقاء ، أعطى في النفس البشرية وفي ذراتها رضا بهذا الحكم بالالتقاء.
ولذلك رُوى:"جَدَعَ الحلال أنف الغيْرة".
أي أن من يغار على ابنته هو الذي يوجه الدعوات لزواجها ، فكأن الغيرة فيها حمية ، وإن طُلِبَ عرض عن غير طريق خالق الأعراض فلا بد أن تهيج النفس ، فإن طلبها على وفق ما شرع خالق الأعراض تطمئن النفس. وهذه عملية قد يكون من الصعب تصورها ، فما الذي يسبب الرضا ، ومن الذي يدفع في القلب الحمية والغضب والثورة ؟ إنه - سبحانه - هو الذي يفعل ذلك.
والإنسان عليه أن يلتفت إلى أن كلاً منا مكون من ملكات متعددة ، فعقد الزواج وقول:"زوجني"و"زوجتك"وحضور الشهود ، ماذا يعمل في ذرات تكوين النفس لكي تُسر ؟ إنها إرادة الحق. وهذا شيء معروف وأنت حين يكون لك إنسان تعرفه فقط ، والإلف السيال بينك وبينه مالز في أوله ما يكفي عندما تقابله أن تلقي عليه السلام وينتهي الأمر ، لكنْ هناك إنسان آخر لا يكفي هذا السيال الودي بينك وبينه ، بل لا بد أن تسلم عليه بيدك ؛ لأن هناك جاذبية ومودة ولكل منهما تأثير.
إذن فعملية الود والولاء أمر يصنع تغييرا كيماويا في النفس ، ويكون التنافر إذا ما جاء اللقاء عن طريق ما حرم الله ، والذي يأتي عن طريق ما شرع الله يحقق التجاذب. والشاعر عندما خاطب من يحبه قال: بأبي من وددته فافترقنا وقضي الله بعد ذاك اجتماعا