وهذا يحكى عن ابن عباس وابن مسعود وأُبَيّ، وجابر، وأنس، وسعيد بن المسيب، والحسن.
وليس الأمر على ما ذهبوا إليه؛ فإن هذه الآية مخصوصة بملك اليمن في الحربية إذا سبيت من دار العرب، بدليل حديث بريرة، فإن عائشة اشترتها وأعتقتها، ثم خيّرها النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وكانت مزوجة، فاختارت الفراق، ولو وقع الطلاق بالبيع ما خيرت.
وهذا الذي ذكرنا من أن البيع لا يكون طلاقًا مذهب عمر، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، وإجماع الفقهاء اليوم.
وقوله تعالى: {كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} . قال ابن عباس: يريد: هذا ما حرم الله عليكم. يعني: كتب تحريم ما ذكر من النساء عليكم.
وانتصابه على مصدر جرى الفعل من غيره، كأنه قيل: حرمت هذه النساء كتابًا من الله عليكم، أي: كتابة.
ومعنى الكتابة ههنا التحريم؛ لأنه كتابة التحريم، أي: إثباته وتأكيده.
ومثله: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي} [النمل: 88] ، وقد مر كثير من هذا، (وهذا) معنى قول الفراء والزجاج.
وقد كشف أبو علي عن هذا فقال: ليس انتصابه على: عليكم كتاب الله، ولكن كتاب مصدر، دل ما تقدم على الفعل الناصب له، وذلك أن قوله: {حُرِمَتْ عَلَيْكُمْ} فيه دلالة على أن ذلك مكتوب عليهم فانتصب {كِتَابَ اللَّهِ} بهذا الفعل الذي دل عليه ما تقدمه من الكلام. وعلى ذلك قول الشاعر:
[ما] إِنْ يمسّ الأرض إلاَ منْكِبٌ ... مِنْه وحرفُ السّاقِ طَيَّ المِحْمَلِ
قال الزجاج: ويجوز أن يكون منصوبًا على جهة الأمر، ويكون: {عَلَيْكُمْ} مُفسرًا له، فيكون المعنى: الزموا كتاب الله.
قال الفراء: وقد قال بعض النحويين: معناه: عليكم كتاب الله، واحتج بقول الشاعر:
يا أيها المائح دلوى دونكا