والأصح كما قدمنا أن القريبَ أن يتوب بعدما سكنت ثورة الشهوة، وانكسرت حدَّةُ الغضب؛ إذ مَنْ كان قويَّ الإيمان لا تقع منه المعصية إلا عن بادرة غضبٍ، أو شهوةٍ هفوةً بعد هفوة، ثم لا يلبث أن يبادَر إلى التوبة.
وقد قسموا التوابين إلى أقسام وطبقات
الأول: من هو سليم الفطرة عظيمُ الاستعداد للخير، فهو إذا وقع في خطيئة مرةً كان له منها أكبَرُ عبرة، فيندَمُ بعدها، ويحملُ نفسَه على الفضيلة، ويصرِفُها عن كل رذيلة.
الثاني: مَنْ تكون داعية الشهوة أقوى في نفسه، وأرسخَ في قلبه .. فإذا أطاع نفسَه، وارتكب معصيةً. قامتْ الخواطرُ الإلهية تحاربه، وتوبِّخُه حتى تنتصرَ عليه، وتقهرَهُ قهرًا تامًّا، فلا يعودُ بعدَها إلى اجتراح إثم، ولا وقوع ذنب.
الثالث: من تقوى نفسُه بالمجاهدة على اجتناب كبار الإثم، والفواحش، لا على صِغَارِ الذنوب والآثام، وهنَاكَ تكون الحربُ في نفوسهم سجالًا بينَ ما يلمون به من الصغائر، وبَيْنَ الخواطر الإلهية التي هي جندُ الإيمان.
الرابع: من يقع في الذنب، فيتوبُ ويستغفر، ثم يَعْرُض له مرةً أخرى،
فيعودُ إليه، ثم يَلوم نفسه، ويندم، ويستغفر وهلم جرًّا، وهؤلاء أدْنَى طبقات التوابين، والنفس الباقية عندهم أرخَصُ من النفس الفانية، وهم مع ذلك محل للرجاء؛ لأن لهم زاجرًا من أنفسهم يذكرهم دائمًا بالرجوع إلى الله، عَقِب كل خطيئة، وهكذا تكون الحرب سجالًا بينَهم وبينَ أنفسهم، فإما أن تنتصر دواعي الخير .. فتصحَّ توبتُهم، وإما أن تنكسر أمامَ جند الشهوة .. فتحيطَ بهم خطيئتهم، ويكونوا من المصرينَ الهالكينَ.