فقد روى ابن مردويه وغيره، عن جابر: أن أوس بن ثابت، مات عن زوجته أم كحة وابنتين، وابن صغير، وابني عمه - وهما وصياه - فأخذا ماله: ولم يعطيا أولاده وزوجته منه شيئا، كعادتهم في الجاهلية. فقالت الزوجة للوصيين: تزوجا بالبنتين وكانت بهما دمامة فأبيا. فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبرته الخبر. فدعاهما. فقالا: يا رسول الله، ولدها لا يركب فرسا، ولا يحمل كَلاًّ ولا ينكأُ عدوًا. فصرفهم النبي صلى الله عليه وسلم، حتى يَنزلَ حكمُ الله في شأنهم، فأنزل الله هذه الآية. فأرسل إلى ابن العم. وقال لهما: لا تحركا من الميراث شيئًا، فإِنه قد أنزلَ عَليّ فِيه شيء
أخبرت أن للذكر وأنثى نصيبًا. ثم نزلت بعد ذلك الآيات في تفصيل الميراث. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالميراث، فأعطى المرأة الثمن، وقسم الباقي بين الأولاد، للذكر مثل حظ الأنثيين. ولم يعط ابني العم شيئًا.
وفي بعض طرق الحديث: أن الورثة كانوا زوجة وابنتين وابني العم، وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم ابني العم ما بقي بعد نصيب الزوجة والبنتين.
ومن هذا يتبين: كيف أنصف الإِسلام المرأة، وحفظها من الضياع.
{لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ} :
والمقصود من الرجال والنساء: الذكور والإناث، وإن كانوا صغارا. أي للذكور نصيب مما تركه آباؤهم وأمهاتهم وأقاربهم، كالإِخوة والأخوات، والأعمام والعمات. وللإناث نصيب مما ترك آباؤُهن وأمهاتهن وأقاربهن.
وبهذا، بطل ما كان عليه أهل الجاهلية، من توريث البالغين من الرجال فقط، حيث جعل للجميع حظًا ونصيبا في الإرث. وكان يكفى أن يقال: لكل واحد نصيب مما ترك. الوالدان والأقربون. ولكنه تعالى، شاء أن يفصل فيجعل للرجال نصيبا وللنساء نصيبا مما تركه الوالدان والأقربون، إيذانا بأصالة النساء في استحقاق الميراث، ومنعًا من صرف هذا المجمل إلى الرجال وحدهم، على ما كانت عليه عادة الجاهلية، ومبالغةً. في إبطال هذه العادة الظالمة.
{مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ}