وإنّما قال: {وقولوا لهم قولاً معروفاً} ليسلم إعطاؤهم النفقة والكسوة من الأذى، فإنّ شأن من يُخرج المال من يده أن يستثقل سائل المال، وذلك سواء في العطايا التي من مال المعطي، والتي من مال المعطَى، ولأنّ جانب السفيه ملموز بالهون، لقلّة تدبيره، فلعلّ ذلك يحمل ولّيه على القلق من معاشرة اليتيم فيسمعه ما يكره مع أنّ نقصان عقله خلل في الخلقة، فلا ينبغي أن يشتم عليه، ولأنّ السفيه غالباً يستنكر منعَ ما يطلبُه من واسع المطالب، فقد يظهر عليه، أو يصدر منه كلمات مكروهة لوليّه، فأمر الله لأجل ذلك كلّه الأولياء بأن لا يبتدئوا محاجيرهم بسَيّئ الكلام، ولا يجيبوهم بما يسوء، بل يعظون المحاجير، ويعلّمونهم طرق الرشاد ما استطاعوا، ويذكّرونهم بأنّ المال مالهم، وحفظه حفظ لمصالحهم، فإنّ في ذلك خيراً كثيراً، وهو بقاء الكرامة بين الأولياء ومواليهم، ورجاء انتفاع الموالي بتلك المواعظ في إصلاح حالهم حتّى لا يكونوا كما قال:
إذا نُهِي السفيهُ جرى إليه ...
وخالف والسفيه إلى خلاف
وقد شمل القَول المعروف كلّ قول له موقع في حال مقاله.
وخرج عنه كلّ قول منكر لا يشهد العقل ولا الخُلُق بمصادفته المحزّ، فالمعروف قد يكون ممّا يكرهه السفيه إذا كان فيه صلاح نفسه. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 4 صـ 27 - 28}
[فائدة]
قال القرطبي:
قوله تعالى: {وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} أراد تليين الخطاب والوعدَ الجميل.
واختُلف في القول المعروف؛ فقيل: معناه ادعوا لهم: بارك الله فيكم، وحاطكم وصنع لكم، وأنا ناظر لك، وهذا الاحتياط يرجع نفعه إليك.
وقيل: معناه وعِدوهم وَعْداً حسناً؛ أي إن رشدتم دفعنا إليكم أموالكم.
ويقول الأب لابنه: مالي إليك مصيره، وأنت إن شاء الله صاحبُه إذا ملكت رشدك وعرفت تصرفك. انتهى انتهى. {تفسير القرطبي حـ 5 صـ 33}