أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أجاب عن المسألة، فأعلمهم بالحكم أن هذا يكون إذا ادعى صاحب الفراش وصاحب زنًى (يعني عند ذلك يكون الولد للفراش) ؛ فهذا حكم خرج على المسألة ليعرفهم كيف الحكم في مثلها إذا نزل، ولذلك قال لسودة"احتجبي منه"لأنه حكم على المسألة، فلما لم يصح دعوى سعد لأخيه، ولا دعوى عبد بن زمعة، ولا أقرت سودة أنه ابن أبيها؛ فيكون أخاها؛ منعه من رؤيتها، وأمرها بالاحتجاب منه، ولو ثبت أنه أخوها ما أمرها بالاحتجاب منه لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- بُعِثَ بصلة الأرحام، وقال لعائشة في عمها من الرضاعة"إنه عمك فليلج عليك" (2) ، ويستحيل أن يأمر زوجة أن لا تحتجب من عمها من الرضاعة، ويأمر زوجة أخرى تحتجب من أخيها من أبيها.
وقال الطبرى: معنى قوله"هو لك يا عبد بن زمعه"أي: هو لك عبدُ ملكٍ؛ لأنه ابن وليدة أبيك، وكل أمة تلد من غير سيدها فولدها عبد، وهذا أبطله ابن عبد البر (4) ، وابن
القيم في زاد المعاد.
وقال الطحاوى: هو لك، يدك عليه، لا أنك تملكه، ولكن تمنع بيدك عليه كل من سواك منه، كما قال في اللقطة: هي لك، فيدُكَ عليها تدفعُ غيرك عنها حتى يجيء صاحبها، ليس على أنها ملك له، قال: ولا يجوز أن يجعله -صلى اللَّه عليه وسلم- ابنًا لزمعة ثم يأمر أخته تحتجب منه هذا محال، لا يجوز أن يضاف إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.
قال ابن القيم: فهذا الحكم النبوي أصل في ثبوت النسب بالفراش وفي أن الأمة تكون فراشًا بالوطء، وفي أن الشبه إذا عارض الفراش قدم، وفي أن أحكام النسب تتبعض فتثبت من وجه دون وجه آخر، وهو الذي يسميه الفقهاء حكما بين حكمين، وفي أن القافة (3) حق وأنها من الشرع.
الدليل الثاني للشافعية: أنه لا يثبت في حقها الميراث:
وجوابه من قِبل الجمهور: أن النسب تتبعض أحكامه، فقد تثبت بعض أحكام النسب دون بعض، كما وافق أكثر المنازعين في ولد الملاعنة على أنه يحرم على الملاعن ولا يرثه، ومما يدل على أن النسب تتبعض أحكامه فيثبت بعضها دون بعض حديث ابن وليدة زمعة السابق، والذي استدلوا به على الجواز كما سبق حيث جعله النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أخاها في الميراث دون الحرمة.