[من روائع الأبحاث]
(فصل في الرد على الملحدين)
قال الباقلاني:
ومن هذا الباب أيضا قوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ} وهل يصيرون مقسطين في اليتامى بنكاحهم النساء، وكيف يكون ذلك وهم عند نكاح النساء أعجز عن القسط والعدل في اليتامى، وأيّ تناسب بين هذا الكلام؟
فيقال لهم: ليس الأمر في هذا أيضا على ما قدّرتم، وذلك أنّ الله شبّه خوفنا بالعجز عن العدل والقسط في اليتامى، بعجزنا عن العدل بين أكثر من أربع نسوة، لو أطلق لنا نكاح أكثر من أربعة، فقال كما تخافون أن لا تعدلوا بين اليتامى إذا كفلتموهم، فخافوا أيضا أن لا تعدلوا بين النساء إذا نكحتموهنّ وأكثرتم منهن، فانكحوا إذا كنتم تخافون ذلك اثنتين وثلاثا وأربعا، ولا تتجاوزوا ذلك، لا تقصّروا وتعجزوا عن العدل بينهن، ثم قال وإن خفتم أيضا أن لا تعدلوا بن الاثنتين والثلاث والأربع فانكحوا واحدة، واقتصروا معها على ما ملكت أيمانكم من الإماء، ذلك أدنى أن لا تعولوا، أي لا تميلوا وتجاوزوا.
وقد روي هذا الذي قلناه بعينه عن ابن عباس؛ فإنّه قال: «قصر الرجال على أربع من أجل اليتامى فيقول لما كان النساء مكفولات بمنزلة اليتامى، وكان العدل على اليتامى صعب شديد على كافلهم قصر الرجال على ما بين الواحدة إلى الأربع من النساء، ولم يطلق لهم ما فوق ذلك لأن لا يميلوا» .
وإذا كان ذلك كذلك بطل توهّمهم وزال تعجّبهم.
وقد قيل: إنّ تأويل هذه الآية أنّه قد كان مباحا لهم في صدر الإسلام أن ينكحوا ربائبهم اللاتي في حجورهم من نسائهم اللاتي دخلوا بهنّ، وأن منهم من كان يخاف أن لا يعدل بين الربيبة وبين غيرها ممن ليست بربيبته، لكونه واليا على الربيبة ومربيا لها ومستوليا على أمرها فقال لمّا علم ذلك من حالهم: وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى إذا أنتم نكحتموهنّ وتزوجتم بهنّ فيما يتعلق بحقوق الزوجية والعدل بينهنّ وبين غيرهن، فانكحوا غيرهنّ من النساء اللاتي ليس في حجوركم ولا لكم عليهنّ ولاية لتحسم أطماعكم في تحيّفهن، وهذا تأويل صحيح.