قال - عليه الرحمة:
وقيل: يجوز أن يكون أراد بالتقوى تقوى خاصة، وهو أن يتقوه فيما يتصل بحفظ الحقوق بينهم، فلا يقطعوا ما يجب عليهم وصله.
فقيل: اتقوا ربكم الذي وصل بينكم بأن جعلكم صنواناً مفرعة من أرومة واحدة فيما يجب لبعضكم على بعض ولبعض، فحافظوا عليه ولا تغفلوا عنه.
وهذا المعنى مطابق لمعاني السورة.
وقال ابن عباس: المراد بالتقوى الطاعة.
وقال مقاتل: الخشية.
وقيل: اجتناب الكبائر والصغائر.
والمراد بقوله: من نفس واحدة آدم.
وقرأ الجمهور: واحدة بالتاء على تأنيث لفظ النفس.
وقرأ ابن أبي عبلة: واحد على مراعاة المعنى، إذ المراد به آدم، أو على أن النفس تذكر وتؤنث، فجاءت قراءته على تذكير النفس.
ومعنى الخلق هنا: الاختراع بطريق التفريع، والرجوع إلى أصل واحد كما قال الشاعر:
إلى عرق الثرى وشجت عروقي ... وهذا الموت يسلبني شبابي
قال: في ري الظمآن، ودلت الإضافة على جواز إضافة الشيء إلى الأصل الذي يرجع إليه، وأن يعد ذلك الراجع إلى التوالد والتعاقب والتتابع.
وعلى أنّا لسنا فيه كما زعم بعض الدهرية، وإلا لقال: أخرجكم من نفس واحدة، فأضاف خلقنا إلى آدم، وإن لم نكن من نفسه بل كنا من نطفة واحدة حصلت بمن اتصل به من أولاده، ولكنه الأصل انتهى.
وقال الأصم: لا يدل العقل على أنَّ الخلق مخلوقين من نفس واحدة، بل السمع.
ولما كان صلى الله عليه وسلم أميّاً ما قرأ كتاباً، كان معنى خلقكم دليلاً على التوحيد، ومن نفس واحدة دليلاً على النبوّة انتهى.
وفي قوله: من نفس واحدة إشارة إلى ترك المفاخرة والكبر، لتعريفه إياهم بأنهم من أصل واحد ودلالة على المعاد، لأن القادر على إخراج أشخاص مختلفين من شخص واحد فقدرته على إحيائهم بطريق الأولى.
وزوجها: هي حواء.
وظاهر منها ابتداء خلق حوّاء من نفسه، وأنه هو أصلها الذي اخترعت وأنشئت منه، وبه قال: ابن عباس، ومجاهد، والسدّي.
وقتادة قالوا إن الله تعالى خلق آدم وحشاً في الجنة وحده، ثم نام فانتزع الله تعالى أحد أضلاعه القصرى من شماله.
وقيل: من يمينه، فحلق منها حواء.
قال ابن عطية: ويعضد هذا القول الحديث الصحيح في قوله عليه السلام:"إن المرأة خلقت من ضلع أعوج، فإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها"انتهى.
ويحتمل أن يكون ذلك على جهة التمثيل لاضطراب أخلاقهن، وكونهن لا يثبتن على حالة واحدة، أي: صعبات المراس، فهي كالضلع العوجاء كما جاء خلق الإنسان من عجل.
ويؤيد هذا التأويل قوله: إن المرأة، فأتى بالجنس ولم يقل: إن حوّاء.