قال الإمام أبو جعفر ابن الزبير:
سورة النساء
لما تضمنت سورة البقرة ابتداء الخلق وإيجاد آدم عليه السلام من غير أب
ولا أم، وأعقبت بسورة آل عمران لتضمنها - مع ما ذكر في صدرها أمر عيسى عليه السلام
وأنه كمثل آدم في (عدم) الافتقار إلى أب، وعلم الموقنون من ذلك أنه
تعالى لو شاء لكانت سنة فيمن بعد آدم عليه السلام،(فكان سائر الحيوان لا
يتوقف على أبوين، أو كأن يكون)عيسى عليه السلام لا يتوقف إلا على أم
فقط، أعلم سبحانه أن من عدا المذكورين عليهم السلام من ذرية آدم سبيلهم سبيل الأبوين فقال تعالى:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً".
ثم أعلم تعالى بكيفية النكاح المجعول سببا في التناسل وما يتعلق به،
وبين حكم الأرحام والمواريث، وتضمنت السورة ابتداء الأمر وانهاءه فاعلمنا
بكيفية الناكح، وصورة الاعتصام واحترام بعضنا لبعض كيفية تناول الإصلاح فيما بين الزوجين عند التشاجر والشقاق، وبين لنا ما ينكح وما لا ينكح وما أبيح من العدد، وحكم من لم يجد الطول وما يتعلق بهذا إلى المواريث، فصل ذلك كله، إلا الطلاق لأن أحكامه قد تقدمت، ولأن بناء هذه السورة على التواصل والائتلاف ورعي حقوق ذوي الأرحام) وحفظ ذلك كله إلى حالة الموت
المكتوب علينا وناسب هذا المقصود (من) التواصل والألفة ما افتتحت به
السورة من قوله (تعالى) :"اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا"
بالالتئام والوصلة، ولهذا خصت حكم تشاجر الزوجين بالإعلام بصورة الإصلاح والعدل إبقاء لذلك التواصل، فلم يكن الطلاق
ليناسب هذا فلم يقع له هنا ذكر ولا إيماء"وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته"ولكثرة ما يعرض من رعى حظوظ النفوس عند الزوجية ومع القرابة
ويدق ذلك ويغمض، لذلك ما تكرر كثيرا في هذه السورة الأمر بالاتقاء،
وبه افتتحت"اتقوا ربكم""وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ"
"وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ"
ثم حذروا من حال من صمم على الكفر، وحال اليهود والنصارى
والمنافقين وذوى التقلب في الأديان بعدًا عن اليقين،"وكل ذلك تأكيد لا"
أمروا به من الاتقاء، والتحمت الآيات إِلى الختم بالكلالة من المواريث المتقدمة. انتهى انتهى. {البرهان فِي تناسب سور القرآن صـ 198 - 199} .