[من روائع الأبحاث]
(فصل: مراقبة الله تَعَالَى)
قال الحارث المحاسبي:
يروي عَن بعض الْحُكَمَاء أَنه قَالَ إِن من أشرف المقامات وأفضلها المراقبة لله
وَمن أحسن المراقبة أَن يكون العَبْد مراقبا بالشكر على النعم وَالِاعْتِرَاف بالإساءة والتعرض للعفو عَن الْإِسَاءَة فَيكون قلبه لَازِما لهَذَا الْمقَام فِي كل أَعماله فَمَتَى مَا غفل رده إِلَى هَذَا بِإِذن الله
وَمِمَّا يعين على هَذَا ترك الذُّنُوب والتفرغ من الأشغال والعناية بالمراجعة
وَمن أَعمال الْقلب الَّتِي يزكو بهَا وَلَا يَسْتَغْنِي عَنْهَا الْإِخْلَاص والثقة وَالشُّكْر والتواضع والاستسلام والنصيحة وَالْحب فِي الله تَعَالَى والبغض فِيهِ
وَقَالَ أقل النصح الَّذِي يحرجك تَركه وَلَا يسعك إِلَّا الْعَمَل بِهِ فَمَتَى قصرت عَنهُ كنت مصرا على مَعْصِيّة الله تَعَالَى فِي ترك النَّصِيحَة لِعِبَادِهِ
فَأَقل ذَلِك أَلا تحب لأحد من النَّاس شَيْئا مِمَّا يكره الله عز وَجل وَلَا تكره لَهُم مَا أحب الله عز وَجل
فَهَذِهِ الْحَال الَّتِي وَصفنَا واجبه على الْخلق لَا يسع تَركهَا طرفَة عين بضمير وَلَا بِفعل جوارح
وَحَال أُخْرَى فَوق هَذِه وَهِي فَضِيلَة للْعَبد أَن يكره لَهُم مَا كره الله وَأَن يحب لَهُم مَا أحب الله تَعَالَى
قَالَ وَجَاء رجل إلى عبد الله بن الْمُبَارك فَقَالَ لَهُ أوصني فَقَالَ راقب الله فَقَالَ الرجل وَمَا مراقبة الله فَقَالَ أَن يستحيي من الله
(المراقبة والمناجاة من الْيَقِين)
قَالَ فالمناجاة والمراقبة من حَيْثُ تضع قَلْبك وَهُوَ أَن تضعه دون الْعَرْش فتناجي من هُنَاكَ
وَفِي رد الْقلب إلى المراقبة مراجعتان
أولاهما مراقبة النّظر مَعَ تذكر الْعلم قَالَ تَعَالَى {إِنَّه عليم بِذَات الصُّدُور} وَقَالَ تَعَالَى {يعلم مَا فِي أَنفسكُم فَاحْذَرُوهُ}
ثمَّ تذكر العظمة لوُجُود الْحَلَاوَة
وَالْقَوْل الآخر يرْوى أن الله سُبْحَانَهُ أوصى إلى إبراهيم عَلَيْهِ السَّلَام يَا إبراهيم تَدْرِي لم أتخذتك خَلِيلًا؟ قَالَ لَا يَا رب قَالَ لطول قيامك بَين يَدي قَالَ فَقيل إِنَّمَا كَانَ قِيَامه بِالْقَلْبِ وَلَيْسَ بِالصَّلَاةِ
وَهَذَا يُوَافق الْقُرْآن قَالَ تَعَالَى {إِنَّا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدَّار}
وَقَول حَارِثَة كَأَنِّي انْظُر إلى عرش رَبِّي بارزا