[من روائع الأبحاث والمواعظ]
(فصل: في المواعظ والرقائق)
(نصائح شتى)
قال ابن الجوزي:
العاقل يدير بعقله عيشته في الدنيا.
فإن كان فقيراً اجتهد في كسب وصناعة تكفه عن الذل للخلق، وقلل العلائق، واستعمل القناعة فعاش سليماً من منن الناس عزيزاً بينهم.
وإن كان غنياً فينبغي له أن يدبر في نفقته خوف أن يفتقر فيحتاج إلى الذل للخلق.
ومن البلية أن يبذر في النفقة ويباهي بها ليكمد الأعداء.
كأنه يتعرض بذلك - إن أكثر - لإصابته بالعين.
وينبغي التوسط في الأحوال، وكتمان ما يصلح كتمانه.
ولقد وجد بعض الغسالين مالاً فأكثر النفقة، فعلم به، فأخذ منه المال، وعاد إلى الفقر.
وإنما التدبير حفظ المال، والتوسط في الإنفاق، وكتمان ما لا يصلح إظهاره.
ومن الغلط إطلاع الزوجة على قدر المال، فإنه إن كان قليلاً هان عندها الزوج، وإن كان كثيراً طلبت زيادة الكسوة والحلي.
قال الله عز وجل: {وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ} وكذلك الولد.
وكذلك الأسرار، ينبغي أن تحفظ وأن يحذر منها ومن الصديق، فربما انقلب، فقد قال الشاعر:
إحذر عدوك مرة ... واحذر صديقك ألف مرة
فلربما انقلب الصدي ... ق فكان أعلم بالمضرة
بحمد الله تعالى قد نجز ما توخاه الفكر الفاتر من تقييد ما جمعه القلم من صيد الخاطر، متقصراً فيه على ما به التخلي من الأمراض النفسية، والتحلي بالآداب الشرعية، والأخلاق المرضية.
جعله الله تعالى خير هاد على منبر الوعظ والإرشاد، وأنفع كتاب تجلى في مرايا الظهور لهداية العباد.
والحمد لله أولاً وآخراً وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. انتهى انتهى {جامع المواعظ والرقائق، لابن الجوزي} ...