أجاب المتكلمون فقالوا: خلق الشيء من الشيء محال في العقول، لأن هذا المخلوق إن كان عين ذلك الشيء الذي كان موجودا قبل ذلك لم يكن هذا مخلوقا ألبتة، وإذا لم يكن مخلوقا امتنع كونه مخلوقا من شيء آخر، وإن قلنا: إن هذا المخلوق مغاير للذي كان موجوداً قبل ذلك، فحينئذ هذا المخلوق وهذا المحدث إنما حدث وحصل عن العدم المحض، فثبت أن كون الشيء مخلوقا من غيره محال في العقول، وأما كلمة {مِنْ} في هذه الآية فهو مفيد ابتداء الغاية، على معنى أن ابتداء حدوث هذه الأشياء من تلك الأشياء لا على وجه الحاجة والافتقار، بل على وجه الوقوع فقط. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 131 - 132}
قلنا: بعض المفسرين جعلوا {من} لبيان الجنس لا للتبعيض فمعناه: وخلق من جنسها زوجها؛ كما فِي قوله تعالى {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ}
الثاني: وهو الذي عليه الجمهور: أنها للتبعيض، ولكن خلق حواء من آدم لم يكن بطريق التوليد كخلق الأولاد من الآباء، فلا يلزم منه ثبوت حكم البنتية والأختية فيها. انتهى انتهى. {تفسير الرازي صـ 76}
قوله تعالى {وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء}
[فائدة]
قال الفخر:
لم يقل: وبث منهما الرجال والنساء لأن ذلك يوجب كونهما مبثوثين عن نفسهما وذلك محال، فلهذا عدل عن هذا اللفظ إلى قوله: {وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء} .
فإن قيل: لم لم يقل: وبث منهما رجالا كثيراً ونساء كثيراً؟ ولم خصص وصف الكثرة بالرجال دون النساء؟
قلنا: السبب فيه والله أعلم أن شهرة الرجال أتم، فكانت كثرتهم أظهر، فلا جرم خصوا بوصف الكثرة، وهذا كالتنبيه على أن اللائق بحال الرجال الاشتهار والخروج والبروز، واللائق بحال النساء الاختفاء والخمول. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 132}