إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ بعثه الله تعالى رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين، وحجة على من أرسله إليهم أجمعين، آتاه من البينات ما على مثله يؤمن البشر، هدى به من الضلالة، وبصر به من العمى، وأرشد به من الغي، وفتح الله به أعينًا عميًا، وآذانًا صمًا، وقلوبنًا غلفًا، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا اللقاء في هذه الليلة ليلة الأحد السادس عشر من شهر شعبان عام (1416هـ) وهو اللقاء الذي لا يأتي دوره إلا في رمضان المبارك وبما أننا في استقبال شهر رمضان فإنه يحسن أن نتحدث عن ذلك الشهر الفاضل.
هذا الشهر -أعني: شهر رمضان- خصه الله بخصائص: منها: أنه أنزل فيه أشرف وأعظم كتابٍ أنزله على أي رسول من الرسل، ألا وهو القرآن، كما قال الله تبارك وتعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة:185] ونعم هذه الفضيلة لهذا الشهر الفضيل.
ومنها: أنه الشهر الذي فيه ليلة القدر التي قال الله عنها: إنها مباركة، وقال: إنها خير من ألف شهر، فقال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ} [القدر:1-2] أي: أن شأنها عظيم، وهذا الاستفهام للتفخيم والتعظيم كما قاله علماء اللغة {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} [القدر:3-4] الملائكة ملائكة الرب عز وجل ينزلون إلى الأرض ومعهم الروح الأمين وهو جبريل عليه السلام {تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ} [القدر:4-5] أي: أنهم ينزلون بإذن الله، لأنه لا أحد يعمل عملًا لا في السماوات ولا في الأرض إلا بإذن الله عز وجل وبمشيئة الله، فإن الله تعالى يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، وربك هو الخلاق العليم: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} [القصص:68] فينزلون وهي سلام إلى مطلع الفجر، إذا طلع الفجر انتهت الليلة، وقال الله تعالى في هذه الليلة: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} [الدخان:3-4] (يفرق) يفصل ويبين؛ لأنه يكتب فيها ما يكون في تلك السنة، (كل أمر حكيم) أي: كل شأن فيه حكمة؛ لأن كلما يرتبه الله عز وجل وكلما يخلقه ويقدره فإنه حكمة، لا تظن أن شيئًا يفعله الله إلا وله حكمة، إن نزل الفقر بالعباد فلحكمة إن نزل الغنى بالعباد فلحكمة وإن أجدبت الأرض وقحطت السماء فلحكمة إن أخصبت الأرض وأمطرت السماء فلحكمة، كل شيء يفعله الله فإنه لحكمة {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} [الدخان:4] محكم متقن، كل شيء في موضعه {أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الدخان:5-6] ففي رمضان هذه الليلة المباركة.
-في رمضان تصفد مردة الشياطين، الأشداء منهم، أي: من الشياطين يصفدون ويغلون، ولا يخلصون إلى ما كانوا يخلصون إليه من قبل، ولهذا تجد المعاصي تقل جدًا من المؤمنين، ويقبل المؤمنون على ربهم إقبالًا لا يجدون مثله في غير رمضان، لماذا؟ لأن الشياطين مردتهم تغل -توثق- لا يستطيعون الخلاص إلى ما كانوا يخلصون إليه من قبل.
-في رمضان خصائص منها ما سبق ومنها: أن صومه فرضٌ على جميع العباد، بل ركن من أركان الإسلام، لا يتم الإسلام إلا بصيام شهر رمضان.
لو صام الإنسان أحد عشر شهرًا من السنة إلا رمضان هل يتم إسلامه؟ لا يتم إسلامه، لماذا؟ لأن الله عين الصيام المفروض في رمضان، وهذا من خصائص هذا الشهر.
-ومن خصائصه: أن من قام ليله إيمانًا واحتسابًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه، إيمانًا بالله عز وجل إيمانًا بوعده وتصديقًا بخبره واحتسابًا لثوابه وأجره يغفر الله ما تقدم من ذنبه، ولو قام الليل كله في غير رمضان لم ينل هذا الأجر، بل من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، القيام كل الليل، أو بعض الليل، أو ماذا؟ نقول: الأمر -والحمد لله- واسع، قام النبي صلى الله عليه وسلم ليلة بأصحابه إلى نصف الليل، قالوا: (يا رسول الله! لو نفلتنا بقية ليلتنا -أي: لو قمت فينا بقية الليلة؛ لأنهم نشطاء على الخير- قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة) الحمد لله، لو كان قيام الإمام مقدار ساعة فقط من ليلٍ طوله اثني عشرة ساعة كتب للإنسان قيام ليلة كاملة، ولهذا ينبغي لنا أن نحرص إذا قمنا مع إمام ألا نفارقه حتى ينصرف، خلافًا لبعض العامة مساكين يضيعون أوقاتهم ولياليهم بغير فائدة، يصلون مع هذا تسليمة أو تسليمتين ثم يذهبون إلى مسجدٍ آخر يصلون معه كذلك، ثم مسجد ثالث، وهذا خطأ، إذا دخلت مع إمام في صلاة العشاء اثبت حتى ينصرف من التراويح من أجل أن يكتب لك قيام ليلة وأنت نائم على فراشك، وأنت تلهو مع أهلك يكتب لك القيام، ولله الحمد.
-ومن خصائصه أيضًا: أنه مع كون صومه فرضًا وركنًا من أركان الإسلام: (من صامه إيمانًا واحتسابًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه) كالقيام تمامًا، يغفر له ما تقدم من ذنبه، كلما تقدم يغفره الله، ويستره عليه، ويعفو عنه.