فهرس الكتاب

الصفحة 1975 من 2259

تفسير قوله تعالى:(

وَذَرُوا الْبَيْعَ.)

قال تعالى: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة:9] (ذروا) أي: اتركوا، حتى لو كانت السلعة بين يديك تعرضها للزبون وسمعت المؤذن يقول: (الله أكبر) فدعها وامض، حتى لو قلت: بعت عليك، وسمعته يؤذن قبل أن يقول: قبلت، فعليك أن توقف البيع، فلا يجوز إيجاب ولا قبول بعد أذان الجمعة.

(ذروا البيع) اتركوا البيع، والآية عامة، أي بيع، سواءٌ كان هذا البيع قليلًا أو كثيرًا، حتى لو كان مسواكًا، فإذا أذن للجمعة وأنت تريد أن تشتري مسواكًا لتتسوك به في هذه الصلاة لا يجوز؛ لأنه بيع، لكن استثنى العلماء رحمهم الله ما لو كان الإنسان يحتاج إلى شراء ثوب، عنده ثوب نجس لا يمكن أن يصلي فيه، ويحتاج إلى شراء ثوب، فهنا يجوز أن يشتري ثوبًا ولو بعد أذان الجمعة الثاني؛ لأنه يشتري الثوب للوصول إلى شرط من شروط الصلاة، فصار اشتغاله بشراء الثوب لمصلحة الصلاة.

واستثنى العلماء أيضًا: ما لو وجد ماءً يباع وهو على غير وضوء بعد أذان الجمعة الثاني، وهذا يوجد في المدن الكبيرة، فهل يشتريه ليتوضأ به، أم نقول: يحرم شراؤه ويتيمم ويصلي؟ الأول، نقول: هذه ضرورة، وهذه أيضًا لمصلحة الصلاة.

واستثنى العلماء ما كان للضرورة، كإنسان هالك من الظمأ، والماء يباع عند المسجد، وهو إن دخل في الصلاة شوش فكره يريد الماء فله أن يشتري ويشرب، وإلا فالأصل التحريم (ذروا البيع) هذا مع أن البيع حلال في الأصل، والدليل قول الله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة:275] لكن لما كان البيع قد ينشغل به الإنسان عن حضور الخطبة والصلاة صار البيع في هذه الحال حرامًا.

أرأيتم لو أن رجلين يمشيان إلى الجمعة فأذن المؤذن، فقال أحدهما للآخر: يا فلان، اشترينا أرضًا فهل لك الرغبة في أن تساهم فيها؟ قال: نعم، اكتبني مساهمًا، قال: إن شاء الله أكتب.

هل يجوز هذا أم لا يجوز؟ معلوم أن المساهمة بيع بيع، إذًا: فهي تدخل في الآية: (وذروا البيع) إذًا: هذا حرام ويلغى العقد، وإذا انتهت الصلاة يجدد ويقول: يا فلان، أنا مساهم معكم اكتب لي سهمًا.

إذًا البيع بعد نداء الجمعة الثاني محرم وباطل، ولا ينتقل فيه المبيع إلى المشتري ولا الثمن للبائع، وإذا وقع هذا قلنا للمتبايعين: هذا عقد باطل، وإذا انتهت الصلاة فتبايعا من جديد.

هل تحرم الهدية بعد نداء الجمعة الثاني؟ لو كان الإنسان -مثلًا- يمشي مع صاحبه ومعه مسواك فأهداه إلى صاحبه هدية، فإنه يجوز؛ لأنه ليس بيعًا، ثم هو يسير فقال: خذ هذا المسواك، فيأخذه ولا يلهيه.

عقد النكاح، رجلان يمشيان فقال أحدهما للآخر: إنه يبحث عن زوجة، فقال: عندي لك زوجة وهي ابنتي، ومعهما رجلان آخران من أجل أن يكونوا شهودًا، فقال: زوجنيها، قال: هذه أبرك ساعة، أنا ما غذوتها إلا لك وأمثالك، باسم الله زوجتك ابنتي فلانة، قال: قبلت، وهذا بعدما أذن الأذن الثاني يوم الجمعة وهما في طريقهما إلى المسجد، ثم قال للرجلين: اشهدا، تم العقد الآن، فهل يجوز هذا أم لا يجوز؟ ننظر إلى الآية، اجعلونا نمشي على ألفاظ نصوص الكتاب والسنة، قال الله: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة:9] هل عقد النكاح بيع؟ ليس عقد بيع، إذًا على مقتضى اللفظ أن يكون عقد النكاح جائزًا؛ لأنه أمر نادر يقل جدًا، متى يصادف أن اثنين يمشيان إلى المسجد وبعد الأذان يزوج أحدهما الآخر ابنته؟! هذا ما تيسر، والنادر يقول العلماء: ليس له حكم، ومن نظر إلى أن المقصود بالنهي عن البيع هو الانشغال عن حضور الخطبة والصلاة قال: النكاح قد يشغل أكثر، هذا الرجل الذي عقدنا له الزواج سوف يفكر متى الدخول؟ ومتى يصير؟ ومن أين المهر والنفقات وأثاث البيت؟ يفكر أكثر من عقد البيع، فيقول بعض العلماء الآخرين: عقد النكاح حرام ولا يصح، وإنما ذكر الله البيع لأنه الغالب، وإلا فجميع العقود مثل البيع، إلا شيئًا نعلم أنه لا يمكن أن يلحق بالبيع لقلة إشغالك كالهدية -كما مثلنا أولًا- فهذا يجوز.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت