ويقول النصراني أنه من الإنجيل، أو يقولان: إنه من الزبور، إذ كان لا يأتيه أن يكون من وصفهم الذي أخبر الله - عز وجل - بأنهم ينسبونه إلى الله عز وجل، يعلمون من أنفسهم بأنهم كاذبون.
وأيضاً فإن الكفار لا شهادة لهم أصلاً، فكيف يقبل قولهم على الله تعالى ورسله، لكنهم أبعد الناس من ذلك، فأولادهم بالرد والتكذيب.
هذا وقد ظهر أكثر ما في أيديهم، لا يجوز أن يكون منزلاً من عند الله - عز وجل - لأن ما يدعون إليه، إنه التوراة مغازي موسى وقصته بعد فرعون، وما دار بينه وبين بني إسرائيل طول مقامه بين أظهرهم، وصفة وفاته.
فلا يخفى على عاقل أن ذلك على وجهه لم ينزل عليه، وأنه بمنزلة الأخبار التي جاءت من السنن ومحاورات النبي - صلى الله عليه وسلّم - وأصحابه وسائليه والقادمين عليه من الوفود وغيرهم، وعن جابر أن يلحق شيء من ذلك بالقرآن، أو يدعى باسمه، فلذلك ما كان ذلك لموسى - صلى الله عليه وسلّم - ، لا يجوز أن يلحق بالتوراة أو يدعى باسمها.
فأما في القرآن من ذكر بعض حروب النبي - صلى الله عليه وسلّم - ، وليس على معنى الإقتصاص له بتلك الحروب ولأصحابه وإنما هو ذكر أحوال ومقامات أكرمهم الله تعالى فيها بيده ونصره، فقرر عندهم نعمة التي أنعمها عليهم، لئلا يغفلوا عنها، ويزداد بصيرة في دينهم لأجلها، ويحمدوه عليها.
وذكر أمور وقعت منهم على وجه لم يرضه الله تبارك وتعالى، فأنكرها عليهم، لئلا يعودوا لمثلها، وما في التوراة أن يدعو بها ليس على هذا الوجه، وإنما هو إقتصاص مجرد لجميع ما كان من موسى وقومه ظعناً وإقامة، فما ذلك إلا كحديث رسوله - صلى الله عليه وسلّم - الذي رواه جابر فاستوفاه، وسائر المغازي، وما جاء في وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - .
فإذا لم تجز دعوى التنزيل في هذه فتلك مثلها وبالله التوفيق.