وفي الإيمان معنى آخر لا لبس فيه: وهو أن عامتهم أتوا بمعجزات وبينات دلت على صدقهم، فمن آمن بالنبي - صلى الله عليه وسلّم - بمعجر، ليقولوا نؤمن بالنبي بعد قوة مع إثباتهم بالمعجزات، كان قد أجاز على صاحب المعجزة مع إجازة المعجزة لغير النبي - صلى الله عليه وسلّم - ضدان يقتضيان لا ما يليقان ولا يليقان.
فلهذا كان الإيمان بعامة الرسل من تمام الإيمان بنبينا صلوات الله عليه وعليهم وبالله التوفيق.
فإن قال قائل: إن الله - عز وجل - قال: {وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} .
بدأ بنفسه وثنى بملائكته وثلث بكتبه وذكر الرسل أخيراً، وأنتم خالفتم هذا الترتيب فجعلتم الشعبة الثانية للإيمان بالرسل، والشعبة الثالثة للإيمان الإيمان بالملائكة، والرابعة الإيمان بالكتب، فهل لكم من عذر في هذا؟
قيل له: أما التنبيه بالرسل فلأن الله - عز وجل - قال في آية الأمر: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} .
وقرن الإيمان برسله بالإيمان به.
وقال: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَآمِنُواْ بِرَسُولِهِ} .
وقال في آية الوعد: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ} فأوجبنا التثنية بالرسل عند تعديد شعب الإيمان، هذا ولأن العلى الملائكة، إنما وقع بخبر الرسل، فكانت التثنية بالرسل لذلك أولى من التثنية بالملائكة.
ثم ذكر الملائكة بعد الرسل أولى من ذكر الكتب، لأنهم من جملة الرسل وإن كانوا صنفاً غير الرسل الذين من البشر، ولأن الكتب تنزيل الملائكة، فالأحسن إذاً تقديم ذكرهم على ذكر تنزيلهم.
(فصل)
ونقول: إن الإيمان بالكتب المنزلة على الأنبياء الذين كانوا قبل نبينا - صلى الله عليه وسلّم - وعليهم، وإن كان واجباً فلا يؤخذ بقراءة ما في أيدي اليهود والنصارى منها، لأن الله - عز وجل - قد خوفهم وزجرهم ونسبهم إلى أنهم يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله، {وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} .
وقال: {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ} وقال: {ياأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} .
وإذا كان هذا هكذا، لم يقع للمسلم تقديماً بقول اليهود أنه من التوراة.