وقوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ} يعني: من بعد الرسل {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ} أي: من بعد ما وضحت لهم البراهين {وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ} (ثبت على إيمانه) {وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ} كالنصارى بعد المسيح، اختلفوا فصاروا فرقًا، ثم تحاربوا، {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا} ، كما قال: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى} [الأنعام: 35] .
وكرر المشيئة باقتتالهم تأكيدًا للأمر، وتكذيبًا لمن زعم أنهم فعلوا ذلك من عند أنفسهم، لم يجر به قضاء ولا قدر من الله تعالى، ثم قال: {وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيد} فيوفق من يشاء فضلًا، ويخذل من يشاء عدلًا.
254 -قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ} قال الحسن: أراد الزكاة المفروضة، قال: لأنه مقرون بوعيد، وقال الآخرون: أراد صدقة التطوع، والنفقة في الخير. قال ابن عباس في هذه الآية: نَفَقَةُ الرجل على أهله وولده وخادمه وجاره صدقة، إذا كان من حلال، وفي غير سرف.
وقال أبو إسحاق: أي: أنفقوا في الجهاد، ولْيُعِنْ بعضكم بعضًا عليه.
{مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ} يعني: يوم القيامة، يريد: لا يؤخذ في ذلك اليوم بدلٌ ولا فداء، كقوله: {وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا} [الأنعام: 70] ، وقوله تعالى: {فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ} وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [المائدة: 36] ، فذكر لفظ البيع لما فيه من المعاوضة وأخذ البدل.
{وَلَا خُلَّهٌ} الخُلَّةُ: مَصْدَرُ الخَلِيْل، وكذلك الخِلاَلة، والخُلَّةُ أيضًا تكون اسمًا، كما قال:
ألا أبْلِغا خُلَّتِي رَاشِدًا ... وصِنْوِي قِديمًا إذا ما اتَّصَل
يريد: خليلى.