قوله: (أي بعضهم البعض) فإسناد الْقَوْل إلَى الجميع مجاز عقلي أو كلهم
قائلون ومقول لهم فلا مجاز لكنه خلاف المُتَعَارَف، وَأَيْضًا قال الَّذينَ يظنون قرينة عَلَى
إرادة الأول.
قوله: (لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده لكثرتهم وقوتهم لا طاقة لنا اليوم) نفى
جنس الطاقة بحسب الظَّاهر؛ ولذا قال لكثرتهم وقوتهم وهذا يقتضي نفي المقاومة معهم
بحسب الظَّاهر لا في نفس الأمر؛ ولذا قال المصنف منهم (كم من فئة قليلة) الخ. ردًا لهم
ببيان أن الغلبة بعون الله تَعَالَى لا بالعدد والعدد وكثرتها وقوفها وإبطالا لما أشعر كلامهم
من أن المقاومة بكثرة الجنود وآلة الحروب، وحاصل الْمَعْنَى فلما جاوزه أي النهر الْمَذْكُور
طالوت والَّذينَ آمَنُوا معه وبرزوا لجالوت وبهذه الملاحظة ظهر كون قَالُوا لا طاقة لنا
جواب لما جاوزه والظَّرْف متعلق بـ آمنوا مثل قَوْلُه تَعَالَى حكاية عن بلقيس( [وَأَسْلَمْتُ] مَعَ
سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) وهذا لا يقتضي كون إيمان التابعين مع إيمان المتبوع في زمان
واحد. وقيل والظَّرْف متعلق بـ جاوزه لا بـ آمنوا والأول يفيد أن المتخلفين بمعزل عن الإيمان
بالمرة أو عن الإيمان الكامل ليَشْمَل الْمُنَافقينَ والْمُؤْمنينَ الغير الناصحين في البصيرة فلا
جرم أن الأول هُوَ المعول والجنود جمع كثرة للجند والأجناد جمع قلة له، والجند الجيش
الأشداء مأخوذة من الجند وهو الْأَرْض الغليظة الشديدة ثم توسع وأطلق عَلَى مطلق الجيش
أشداء أولًا.
قوله: (أي قال الخلص منهم) أي من الْمُؤْمنينَ فإن الباقين الْمُؤْمنُونَ أَيْضًا لكن قوة
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
قوله: أي قال الخلص منهم الَّذينَ تيقنوا لقاء الله الخ. ذكروا في ضمير (قَالُوا لا طاقة لنا)
وَجْهَيْن: أحدهما أنه راجع إلَى الَّذينَ آمَنُوا وهم القليلون الَّذينَ أطاعوا وانتهوا بالنهي عن الشرب
لكن هَؤُلَاء الْمُؤْمنُونَ افترقوا فرقتين فرقة قَالُوا (لا طاقة لنا) إظهارًا للضعف لا
نكوصًا عن القتال، وفرقة ردوا عليهم وقَالُوا (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ) الآية. وهم الخلص
منهم. فإن قيل كَيْفَ يليق بالْمُؤْمنينَ أن يقولوا لا طاقة لنا وهو دال عَلَى وهن عزيمتهم وأن ليس لهم
قدم صدق في ذلك؟ أجيب بأن الْمُؤْمنينَ يختلفون في قوة اليقين، وهَؤُلَاء عَلَى رتبة في اليقين من
أُولَئكَ، ومن ثمة فسر الَّذينَ يظنون بالذين تيقنوا لقاء الله فأطلق الظن عَلَى اليقين مَجَازًا لما بَيْنَهُمَا
من المشابهة في تأكد الاعتقاد فإن الظن الاعتقاد الراجح. والوجه الثاني أن الضَّمير عائد إلَى الكثير
فإن عسكر طالوت لما هجموا عَلَى النهر بعد عطش شديد وقع أكثرهم في النهر وكرعوا وامتنع
قليل من ذلك فالشاربون لما كانوا عصاة تخلفوا عن طالوت ولم يتجاوزوا النهر وأرادوا أن يرجعوا
قَالُوا للذين لم يشربوا إلا بالاغتراف (لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ) وأظهروا
عذرهم في رجوعهم وكأنهم تقاولوا بهذا الْقَوْل والنهر بينهما. أقول: الظَّاهر أن القائلين هم
المجاوزون معه وحمل الواو في قَالُوا عَلَى الَّذينَ لم يجاوزوا بعي. د قيل الوجه الثاني وهو أن يكون
الضَّمير إلَى الكثير الَّذينَ انخذلوا وانفصلوا عن طالوت أقرب لأنه كَيْفَ يقال في الَّذينَ جاءوا معه
(والَّذينَ آمَنُوا) بوضع المظهر مَوْضع ضمير القليل المشعر بالتعظيم والحال أنهم
يقولون (لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ) . أقول: قولهم ذلك كما ذكر آنفًا ليس