وهو عام فِي المطلقات ذوات القروء بقرينة قوله: {يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} ، إذ لا يتصور ذلك فِي غيرهن ، فالآية عامة فِي المطلقات ذوات القروء ، وليس هذا بعام مخصوص فِي هذه ، بمتصل ولا بمنفصل ، ولا مراد به الخصوص ، بل هو عام فِي الجنس الموصوف بالصفة المقدرة التي هي من دلالة الاقتضاء ، فالآية عامة فِي المطلقات ذوات القروء ، وهي مخصصة بالحرائر دون الإماء ، فأخرجت الإماء بما ثبت فِي السنة أن عدة الأمة حيضتان ، رواه أبو داود والترمذي ، فهي شاملة لجنس المطلقات ذوات القروء ، ولا علاقة لها بغيرهن من المطلقات ، مثل المطلقات اللاتي لسن من ذوات القروء ، وهن النساء اللاتي لم يبلغن سن المحيض ، والآيسات من المحيض ، والحوامل ، وقد بين حكمهن فِي سورة الطلاق ، إلاّ أنها يخرج عن دلالتها المطلقات قبل البناء من ذوات القروء ، فهن مخصوصات من هذا العموم بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها} [الأحزاب: 49] فهي فِي ذلك عام مخصوص بمخصص منفصل.
وقال المالكية والشافعية: إنها عام مخصوص منه الأصناف الأربعة بمخصصات منفصلة ، وفيه نظر فيما عدا المطلقة قبل البناء ، وهي عند الحنفية عام أريد به الخصوص بقرينة ، أي بقرينة دلالة الأحكام الثابتة لتلك الأصناف.
وإنما لجأُوا إلى ذلك لأنهم يرون المخصص المنفصل ناسخاً ، وشرط النسخ تقرر المنسوخ ، ولم يثبت وقوع الاعتداد فِي الإسلام بالأقراء لكل المطلقات.
والحق أن دعوى كون المخصص المنفصل ناسخاً ، أصلٌ غيرُ جدير بالتأصيل ؛ لأن تخصيص العام هو وروده مُخْرَجاً منه بعض الأفراد بدليلٍ ، فإن مجيء العمومات بعد الخصوصات كثير ، ولا يمكن فيه القول بنسخ العام للخاص لظهور بطلانه ولا بنسخ الخاص للعام لظهور سبقه ، والناسخ لا يسبق وبعد ، فمهما لم يقع عمل بالعموم فالتخصيص ليس بنسخ.