الحجة الثانية: أن قوله: {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو فِي أيمانكم ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} يدل على أن لغو اليمين كالمقابل المضاد لما يحصل بسبب كسب القلب ، ولكن المراد من قوله: {بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} هو الذي يقصده الإنسان على الجد ويربط قلبه به ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون اللغو الذي هو كالمقابل له أن يكون معناه ما لا يقصده الإنسان بالجد ، ولا يربط قلبه به ، وذلك هو قول الناس على سبيل التعود فِي الكلام: لا والله بلى والله ، فأما إذا حلف على شيء بالجد أنه كان حاصلاً ثم ظهر أنه لم يكن فقد قصد الإنسان بذلك اليمين تصديق قول نفسه وربط قلبه بذلك ، فلم يكن ذلك لغواً ألبتة بل كان ذلك حاصلاً بكسب القلب.
الحجة الثالثة: أنه سبحانه ذكر قبل هذه الآية: {وَلاَ تَجْعَلُواْ الله عُرْضَةً لأيمانكم} [البقرة: 224] وقد ذكرنا أن معناه النهي عن كثرة الحلف واليمين ، وهؤلاء الذين يقولون على سبيل الاعتياد: لا والله وبلى والله لا شك أنهم يكثرون الحلف ، فذكر تعالى عقيب قوله: {وَلاَ تَجْعَلُواْ الله عُرْضَةً لأيمانكم} حال هؤلاء الذين يكثرون الحلف على سبيل الاعتياد فِي الكلام لا على سبيل القصد إلى الحلف ، وبين أنه لا مؤاخذة عليهم ، ولا كفارة ، لأن إيجاب المؤاخذة والكفارة عليهم يفضي إما إلى أن يمتنعوا عن الكلام ، أو يلزمهم فِي كل لحظة كفارة وكلاهما حرج فِي الدين فظهر أن تفسير اللغو بما ذكرناه هو المناسب لما قبل الآية ، فأما الذي قال أبو حنيفة رضي الله عنه فإنه لا يناسب ما قبل الآية فكان تأويل الشافعي أولى ، حجة أبي حنيفة رضي الله عنه من وجوه.
الحجة الأولى: قوله صلى الله عليه وسلم:"من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير ثم ليكفر عن يمينه"الحديث دل على وجوب الكفارة على الحانث مطلقاً من غير فصل بين المجد والهازل.