فإن قلت: يعارضه قوله (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ) الآية، قلت: إنما المراد بذلك المسالمة وترك القتال لا المواصلة والمودة، وفي جامع العتبية في رسم القضاء من سماع أشهب وابن نافع، قيل لمالك: أترى بأسا أن يهدي المسلم لجاره النصراني مكافأة؟ فقال: ما يعجبني ذلك، قال: قال تعالى (لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ) الآية، ابن رشد: أي مكافأة على ما يجب عليه أن يكافئه لَا مكافأة على هدية أهداها إليه، أو لا ينبغي قبول هديته، لأن المقصود من الهدايا التودد بها لحديث:"تَهَادَوْا تَحَابُّوا"فإن أخطأ، وقبل هديته، وكانت عنده، فالأحسن أن ينبه عليها، ولما عرف القاضي في مداركه بأبي عبد الله محمد بن عبد العزيز بن علي المعروف بابن الحصار القرطبي، وكان من حفاظ الفقه ورواة الحديث، قال: كان له جار من النصارى يقضي حوائجه، ومتى مر بدار
الشيخ وقف به فيهش إليه الشيخ ويدعوا له، بأن يقول له: أبقاك الله وتولاك، أقر الله عينك، سرني ما يسرك، جعل الله يومي قبل يومك، والنصراني يفرح لذلك، فعوتب الشيخ في ذلك، فقال: إنما هي معاريض علم الله نبأني بها، فأما قولي أبقاك الله وتولاك، فأريد بقاؤه لعدم الجزية، وأن يتولاه بعذابه، وقولي أقر الله عينك، فإني أريد قرار حركتها بشيء يعرض لها، فلا تتحرك جفونها، وقولي يسرني ما يسرك، فالقافية تسرني وتسره، وأتى لي الله يومي قبل يومك، فيوم دخول الجنة قبل يوم دخوله النار، وقول الزمخشري: نزلت فيمن يصحب السلطان، غير صحيح؛ لأن مالكا كان يصحب الملوك ويجلس معهم، وذكروا في سبب نزولها أمرين:
أحدهما: يقتضي أنه ذم من واصل الكفار، وأظهر توددهم وعليه يدل أول الآية.
والآخر: يقتضي أنها في مدح من عاداهم وعليه يدل آخر الآية، ونزلت الآية على منع المودة بلفظ المفاعلة فتتمتع مودة المسلم لمن لم يقدر له شبه.