جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. فقال في السياق الأول (فلما آتاها) ،وعدل عنه في السياق الثاني إلى (فلما جاءها) ، وبدا كأنه لم يصل النار بعد، على حين قد وصل إليها في آية النمل وصاحب وصوله عمل معين، فيقول تعالى بعد ذلك: {وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى لاَ تَخَفْ إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ} .ولمزيد من التوضيح نعقد موازنة بين السياقين:
آية: طه ... آية: النمل
رأى ... آنس
لعلي آتيكم ... سآتيكم
فلما أتاها ... فلما جاءها
نودي يا موسى ... نودي
اخلع نعليك ... ان بورك من في النار ومن حولها
انك بالوادي المقدس ... ـــــــــــــــــــــــــــ
واضح أن بين السياقين فروقا، فقال في طه (رأى) ،وفي النمل (آنست) للإحاطة بالقرب المكاني، فضلا عن الأنس، على العكس من آية طه فإن (رأى) تشكو البعد وتعزز البعد المكاني بقوله (لعلي آتيكم) ، على حين تعزز في آية النمل القرب بقوله (سآتيكم) . وكان لذكر موسى في آية طه ما يعزز الفاصل المكاني بينه وبين النار أو البقعة المباركة، ولم يكن له ذكر في آية طه لقربه منها، ويأتي النداء (ان بورك من في النار ومن حولها) ليدل دلالة واضحة على الحلول، على حين كان النداء في طه (اخلع نعليك) ليؤشر حالة من البعد لما نزل بين موسى والنار، فكان ذلك ماحدا بالأداء القرآني ان يختار (جاءها) هنا، و (أتاها) هناك، فتمحورت هذه الفروق في اختيارهما دليلين متقاربين ينهض كل منهما بفيض من الدلالة والعرفان.