وأتى هذا اللفظ في الخطاب العزيز (53 مرة) مع الأعيان والإنسان. وقد كنت نوهت على فرق دلالي بين المجيء والإتيان هذا محل توضيحه وتوظيفه دلالة نفسية لهذين اللفظين في الأداء القرآني، أعود إلى قوله تعالى {قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} . منهم من ساوى بين (أتى) ، و (جاء) في هذه الآية. ومنهم من وقف عند بلاغة التكرار فرقا بين الاستعمالين. والحق ان الذوق اللغوي يأبى القول انهما على دلالة واحدة، لا سيما عند استعمالهما في اللغة العالية، بدا ان الإتيان مجيء سريع كالمرور، وربما هو أول المجيء، فكأنه في استعمال (أتى) أراد التنبيه على الزمن أكثر من اللفت إلى الحدث بعينه، أما استعمال (جاء) فيحكي الدلالة على الحلول والإقامة والعمل وتحمل المسؤولية والمعاشرة.
ويظهر الفرق الدلالي الذي أريده دلالة ثانية لهذين الاستعمالين في الاختيار المعجز عندما يقارن بينهما في سياق قريب، وأجده سياق قصة موسى، إذ يقول تعالى: {وَهَلْ أَتَكَ حَدِيثُ مُوسَى - إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى - فَلَمَّا أَتَهَا نُودِي يَامُوسَى - إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى - وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى - إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلوَةَ لِذِكْرِي} .وقال تعالى: إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ - فَلَمَّا