وقريب من هذا قوله تعالى: {يا أيها الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} . فإن استعمال (الناس) في سياق التبليغ بولاية علي بن أبي طالب يوحي بالبغض والاتفاق على الشر ومحاولة الفتك. هذا إذا كان (الناس) على إرادة العموم، ويبقى من أنيق عبارة القرآن الكريم أن عبّر عن الواحد بلفظ (الناس) كما في قوله تبارك اسمه: {الَّذينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ} ، في ذلك عنصر إدهاش وإضافة دلالية إيحائية متمثلة في محاولة إشاعة الفكرة والرأي وتصور الغلبة.
ومنه قوله تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ - مَلِكِ النَّاسِ - إِلَهِ النَّاسِ - مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ - الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ - مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} . ويوحي هذا الاستعمال بالمخاوف وتدني الإيمان والوعي، والميل إلى الذنب وهذه الإيحاءات ما يهيمن على الاستعمال القرآني لهذه اللفظة.
(الإنسان)
الإنسان والإنسي من مادة واحدة في المعجم العربي، ويشتركان في الدلالة على ما يخالف التوحش، فتتفق عند هذه الدلالة، كما في الاستعمال القرآني. يقول تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدْ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنْ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنْ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} . ويشهد التقابل الدلالي بين (الجن) و (الإنس) على اختصاص الأول بالخفاء والوحشة، واختصاص الثاني بالظهور والألفة.