وقال بُزَرْجُمُهْر: مَنْ قَوِيَ فلْيَقْوَ على طاعةِ الله، ومن ضعف فليضعف عن معصيةِ الله... قال ابن المقفّع: ليَحْرِصِ البلغاءُ أن يزيدوا على هذه الكلمة - كلمة بزرجمهر - حرفاً، يريد: أنّها كلمةٌ جامعة وقال عبد الملك بن مروان لبنيه في مرضه: أوصيكم بتقوى الله، فإنّها أزينُ حُلَّةٍ
وأحْصَنُ كَهْفٍ، فقال مسلمة بن عبد الملك - وكان حاضراً - وأقربُ إلى الصواب، وأنفع في المآب: فقال عبد الملك: هاتان لا الأُوْليان... الحُلّة: كل ثوب جديد، ولا يقال له حلةٌ إلا إذا اجتمع معه ثوب آخر وعمامة، والكهف: الملجأ، وأصله كالبيت المنقور في الجبل وقال الحطيئة:
ولَسْتُ أرَى السَّعادةَ جَمْعَ مالٍ ... ولكن التَّقِيَّ هو السعيدُ
وتقوى اللهِ خَيْرُ الزَّادِ ذُخْراً ... وعندَ اللهِ للأتقَى مَزيدُ
وما لا بُدَّ أن يأتي: قريبٌ ... ولكنَّ الذي يَمضي بَعيدُ
وقال الأعشى في أبياته التي مدح بها سيّدَنا رسولَ الله:
أَجِدَّكَ لم تَسمَعْ وَصاةَ مُحَمَّدٍ ... نبيِّ الإلهِ حيثُ أوْصَى وأشْهدَا
إذا أنْتَ لم تَرْحَلْ بزادٍ من التُّقى ... ولاقَيْتَ بعدَ الموتِ مَنْ قد تَزَوَّدا
نَدِمْتَ على أنْ لا تكونَ مكانَه ... فَتُرْصِدَ للموتِ الذي كانَ أرْصَدا
قوله: أجِدَّك قال سيبويه: هو مصدرٌ كأنّه قال. أجِدّاً منك، ولكنّه لا يُستعمل إلا مضافاً، وقال الأصمعي: أجِدّك، معناه: أبجدٍّ هذا منك ونصبها بطرح الباء، وقال الليث: من قال: أجِدَّك بكسر الجيم فإنّه يستحلفه بجِدِّه وحقيقته، وإذا فتح الجيم استحلفه بجَدِّه، وهو بختُه تقول: أجِدَّك لا تفعل كذا، وأجَدَّك لا نفعل كذا. وأرصد: أعدّ وقال لبيد:
إنَّ تَقْوَى رَبِّنا خَيرُ نفَلْ ... وبإذْنِ اللهِ رَيْثي وعَجَلْ
أحْمَدُ اللهَ فلا نِدَّ له ... بيدَيْهِ الخيرُ ما شَاَء فعَلْ
مَن هَداهُ سُبُلَ الخيرِ اهتدى ... ناعِمَ البالِ ومَن شاَء أضَلْ
النفل: الغنيمة والجمع أنفال، ثم قال لبيد: وبإذن الله وتسهيله ريثي، أي بُطئي، وعجل: أي سرعتي، فحذف ياء الإضافة للوزن: يقول، إنّ الحركة والسكون بيد الله، ولا ندَّ له: لا مثل له، وبيده الخير: أي بقدرته التي هي كالآلة في أفعالِه تعالى، كاليدين في أفعالنا، وتثنية اليدِ للمبالغة في التشبيه، وما شاء فعل: أي ما أراده فعله وبيّن ذلك بالبيت الثالث...
وقال أبو نواس: