كما صرحنا في فاتحة جريدتنا هذه بقولنا:(وتقبل الانتقاد الأدبي من كل أحد،
وتقابل عليه بالثناء والشكر، وتذعن للحق كيفما طلع بدره، ومن أين انبلج فجره،
وتتلقف الحكمة من حيث أتت، وتأخذها أينما وجدت)، أمثال هؤلاء لا يمكن أن
يكابر نفسه، من يمحل بهم إلى الحكام بأنه ناصح بمحاولته إبطال باطلهم(على
زعمه)؛ لأن الباطل لا يمحوه إلا إحقاق الحق، وأما الضغط فإنه يوجب الانفجار،
والمقاومة يترتب عليها الاشتهار.
الإنسان عرضة للخطأ والخطل، ولا يكاد يخلو عمل من خلل، وتشهد بذلك
كتب المؤلفين، وأعمال المتقدمين والمتأخرين، وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا
فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (النساء: 82) ، يخطئ قوم فيصلح خطأهم آخرون، وبذلك
تنجلي الحقائق وتتمحص العلوم، حتى تبلغ كمالها، ولا يزال الحق والباطل في
مجادلة ومجالدة حتى يغلب أحدهما الآخر، لكن الحق يعلو وإن عمي عنه الأسفلون،
{بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} (الأنبياء: 18) .
نعم، يوجد في بعض الأمم والدول جمعيات سرية تسعى في الإخلال بالنظام،
وتهدد الأمن العام، كالفوضويين في أوروبا، والعدميين (النهليست) في خصوص
روسيا، وبعض الأرمن في بلاد الدولة العلية، فمن يكايد أمثال هؤلاء، ويحمل بهم
إلى الحكمين، فهو ناصح للدولة والأمة، مع مراعاة الصدق والوقوف عند حدود
العدالة. وهناك أمور أخرى تشتبه على بعض الناس فيها النصيحة بالنميمة والسعاية،
ومن صدق في طلب الحق لا يزج نفسه في أمر خطير من غير بينة فيه(الحلال
بين والحرام بين وبينهما مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات
فقد استبرأ لدينه وعرضه)إلى آخر الحديث الشريف.
هذا بعض من كل في بيان مخازي النميمة (السعاية) ومفاسدها، ولو
استقصينا ما ورد في ذلك من الآيات والأخبار، وشرحنا ما يحتف به من الآثام
والأوزار، لأدى بنا ذلك إلى التطويل، ولعل ما ذكرناه كافٍ في التنفير والترهيب،
وما يتذكر إلا مَن ينيب.
آثار في السعاية
جاء رجل إلى علي كرم الله تعالى وجهه يسعى إليه برجل آخر فقال له الإمام: