وتحقيق الباب عندي أن من يكون في مظنة من يعرض له أن يعدل، أو يجرح، فلا بأس بسماعه للكلام في الناس، لأن بذلك يصل إلى التعديل والتجريح لكن بشرط ألا يسمع إلا بهذه النية، وبشرط ألا يكون الناقل قصده التفكه بأعراض الناس، وهو في هذا بمنزلة القاضي لسماعه في الناس، ومن لم يكن بهذه الحيثية، فلا يحل له أن يسمع الكلام من أحد».
قلت: لهذا الشرط وغيره مما ذكره الشيخ «تقي الدين» في معرفة الضعفاء، قال: «عظم الخطر في الكلام في الرجال. قال: ولذلك قلت:
أعراض المسلمين حفرة من حفر النار، وقف على شفيرها طائفتان من الناس: المتحدثون والحكام».
الثاني: الكذب، ويكفي المتأدب بطلب العلوم في التنفير عن شين المروءة به، ووجوب صونها من خسة الانتساب إليه أمران:
أحدهما: قبح الذنب له شرعا، ولذلك تظاهرت نصوص الكتاب على تحريمه في الجملة.
قال النووي: وإجماع الأمة منعقد على ذلك مع النصوص المتظاهرة.
قال: ويكفي في التنفير عنه قوله صلى الله عليه وسلم وهو متفق على صحته: «آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» اهـ.
الثاني: كونه شر غوائل العلم، وأشنع ما يكسف نوره، ويكدر صافي مورده.
فعن الزهري: رواه الشيخ أبو عمر مسندا: «أن للعلم غوائل، فمن غوائله: أن يترك العلم حتى يذهب بعلمه، ومن غوائله: النسيان، ومن غوائله: الكذب فيه، وهو شرّ غوائله.
وأسند إلى عبد الله بن المختار قال: نكر الحديث الكذب فيه، وآفته النسيان، وإضاعته أن تحدث به من ليس من أهله».
وأسند إلى كثير بن مرة الحضرمي قال: «إن عليك في علمك حقا، كما أن عليك في مالك حقا، لا تحدث بالعلم غير أهله فتجهل، ولا تمنع العلم أهله فتأثم، ولا تحدث بالحكمة عند السفهاء فيكذبوك، ولا تحدث بالباطل عند الحكماء فيمقتوك» .
(تتميم)
لبيان ما ذكره: مما يصون المتأدب مروءته بترك التلبس به وهو أربعة:
أحدها: «الغيبة، ولها أخت وهي النميمة. كلاهما من أقبح القبائح، وأكثرها انتشارا في الناس، حتى ما يسلم منها إلا القليل» . قاله النووي.
وهو مشاهد، وخصوصا صنف الطالبين للعلوم.