وقد نبه «ابن الحاج» على وجوب التحفظ منها على العالم والمتعلم فقال في «فصول الكلام» على أدب المتعلم: «وأكد ما عليه: تخليص ذمته من إخوانه، وجلسائه، ومعارفه، وغيرهم، إذ تخليص الذمة هو المقصود الأعظم فليحذر من هذين الأمرين الخطيرين اللذين قد عمت بهما البلوى، وغلبت على الألسن، وهما الغيبة والنميمة» .
وقال في «فصول الكلام» على أدب العالم: «ويجب عليه ألا يسمع من ينمّ عنده، وكذلك من ينقل أخبار الناس، وما جرى لهم مما لا يترتب عليه فائدة شرعية.
قال: ويحتاج: أن يتحرز على نفسه، وعلى من حضره من الغيبة لأنها مصيبة عظمى في الدين». انتهى ملخصا.
ثم قال بعد كلام: «سمعت سيدي أبا محمد رحمه الله يحكي أنه اجتمع جماعة من المباركين بتونس، فلما أرادوا الطعام أبطأ واحد منهم، فسألوا عنه، فقال قائل: ما زالت عادته هكذا، فقام سيدي «حسن الزبيدي» رحمه الله وقال: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} ، اليوم لي أربعون سنة لم أسمع غيبة، فسمعتموها لي اليوم، والله لا أقعد في هذا المجلس، وخرج من حينه، ولم يتناول شيئا. قال: فقس على هذا، وانظر بنظرك أي نسبة بيننا وبين هذه الأحوال السنية، وما بالعهد من قدم».
قلت: حكى «الأبي» عن «شيخه الإمام أبي عبد الله ابن عرفة، أن الشيخ الفقيه الصالح أبا علي القروي ذكر رجل بمحضره رجلا. فقال: فلان الخياط، فقال له الشيخ: اغتبته، فقال الرجل: إنه لا يكره ذلك، وكان هذا القائل نجارا.
فسكت الشيخ ساعة، وقال: يا فلان النجار. قال: نعم. قال له الشيخ: الله ما كرهت ندائي لك بذلك؟ فقال: لا. فقال الشيخ: الحمد لله.
قال: وكان من أصحابنا الطلبة الحاضرين معنا بدرس الشيخ من يتحفظ من الغيبة، فقلت له يوما: إن فلانا أخرج قاضيا «لجربة» ، فدعا «لجربة» وقال: اللهم لا تجعل لي في القضاء نصيبا، ثم قال لي بعد ساعة:
غررت بي، أراني قد اغتبته. فخرج حتى استحله على نحو مسافة ميلين قال:
وكان الشيخ يقول: هذا من باب الورع، وليس بغيبة حقيقية». انتهى انتهى {روضة الإعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام، للحميري} ...